تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنعام

الجزء الأنعام · صفحة ٠
[سورة الأنعام — آية 60]

﴿ وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ﴾ ينيمكم فى الليل ، شبه الإِنامة بالإِماتة فاستعار لها ما وضع للإِماتة وهو التوفى ، واشتق منه يتوفى ، والجامع عدم الإِحساس ، ففى الجسد روح الحياة تخرج بالموت ، وروح التمييز تخرج بالنوم ، وترى المنامات ، أَو روح واحدة تتعلق بالظاهر والباطن حال اليقظة ، وبالباطن حال النوم ، إِذ هى فيه . أَو هى فى ظاهر النائم إِذ جسده حى ولا يميز بها باكنه ، فيتوفاكم يقطع تعلقها بالباطن وتزول عنهما فى الموت ، وقد قيل : الوم يقطع الحس الظاهر والحس الباطن ، وقيل : لا يقطع الباطن ، وخص الليل مع أَن النوم فى النهار أَيضاً لأَنه فى الليل أَرسخ وفيه أَصل وأَكثر ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾ ما كسبتموه فى النهار ، أَو كسبكم فيه ، وذلك شامل للإِثم والخير ، ففيه تنبيه وتهديد ، ولا سيما أَنه قيل أَن المراد الإِثم كما هو قول ابن عباس ، ولذلك على القولين لم يقل ينيمكم ، وقيل المراد كل شىء من طاعة ومعصية وغيرهما ، فيراد أَيضاً التنبيه والتهديد ، ومنه تسمية اليد مثلا جارحة ، والطير والسباع جوارح ، لكسبها بيدها ، وخص الكسب بالنهار مه أَنه يقع فى الليل لأَنه فى النهار أَرسخ وأَكثر كما أَن النوم فى الليل أَرسخ ، والنهار مخلوق للحركة والليل للسكون ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ فى النهار برد أَرواحكم فيها ، والعطف على يتوفاكم ، ووسط يعلم ما جرحتم بالنهار لبيان ما فى يبعثكم من عظم الإِحسان إِليهم بالتنبيه على ما يكسبونه من السيئات ، والبعث تشريح لملاءمته المشبه به وهو الإِماتة ، فإِنه فى عرف الشرع مختص بها ولو جاز أَن يطلق حقيقة فى اللغة على الإِيقاظ من النوم وعلى كل إِنهاض ، وهذا أَولى من قول بعض الإِيقاظ من النوم قيل يسمى بعثاً حقيقة ، وقيل مجازاً ، وحمل اللفظ على المعنى العرفى كالواجب ، خص البعث بالنهار مع أَنه يكون ليلا أَيضاً لأَن المجعول للنوم الليل ، فالبعث بعده ، وكانوا لا صلاة فجر عندهم حتى أَسلموا ، وأَيضاً من أَسلم يصلى ركعتين فى أَول النهار وركعتين فى آخره ، ثم ينام ليله كله ، وأَجاز بعضهم عود الهاء لليل ، ويضعف ما قيل إِن المراد بالنهار النهار السابق على الليل المذكور ، فلا دلالة فيه على تأْخير الإِيقاظ عن هذا التوفى ، والواضح أَنه النهار بعد هذا الليل فصل بجملته ليتصل قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ بقوله ﴿ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ﴾ إِلى قوله ﴿ ثم ينبئكم ﴾ إِلى آخره ، فالمراد بقوله « ويعلم ما جرحتم » بيان مجرد الكسب من غير دلالة على الإِيقاظ واليقظة ، واللام يتعلق ببعث أَى يبعثكم لتتم أَيامكم فى الحياة الدنيا ، وهى الأَجل المسمى ، ويجوز أَن يراد بقوله يبعثكم البعث من القبور فتعود الهاء إِلى ما جرحتم أَو إِلى جرحكم أَو إِلى أَو إِلى التوفى ، أَى فى شأن ذلك كله فيجازيكم ، ولو كان التوفى مسنداً إِلى الله لأَن الإِنامة نعمة يجب عليهم شكرها ، وأَن يتوصلوا بأَبدانهم إِلى عبادة الله عز وجل ، وعليه فالأَجل المسمى مد اللبث فى القبور ، والمراد ليقضوا أَجلا مسمى ، أَو ليقضى الله أَجلاً مسمى ، ويدل له قراءَة ليقضى أَجلا مسمى بالبناء للفاعل ، ونصب أَجل ﴿ ثُمَّ إِليْهِ ﴾ لا إِلى غيره ﴿ مَرْجِعُكُمْ ﴾ رجوعكم بالحساب أَو بالموت ، على أَن قوله يبعثكم بعث من القبور ، والخطاب فى ذلك كله للناس أَو الكفرة ، واللائق للنائم : أَن ينام على نية التقوى لى إِطاعة الله وكسب الطاعات ، والكافر ينام مهملا لنفسه ، أَو ينوى القوة على المعصية ، ويكسب المعاصى ، والتراخى بثم بين النوم واليقظة باعتبار أَول النوم وبين البعث من القبور والرجوع إِلى الموقف باعتبار الوصول ﴿ ثُمَّ يَنَبِّئُكُمْ ﴾ وهذا كناية عن الجزاء ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ من طاعة ومعصية .

٨٤٩ / ٦٬٢٣٦