تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنعام

الجزء الأنعام · صفحة ٠
[سورة الأنعام — آية 77]

﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً ﴾ مبتدئاً فى الطلوع من بزغ بمعنى ظهر ، أَو بزغ بمعنى شق ، فإِنه شق الظلمة ، أَو من بزغ بمعنى سال كأَن ضوءَه سال وانتشر ﴿ قَالَ ﴾ لهم أَو لنفسه ، أَو قال يقولون ﴿ هذا ربىّ ﴾ فى زعمكم ، أَو بطريق الاستدلال ، ﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ ﴾ والله ﴿ لَمْ يَهْدِنِى رَبِّى ﴾ يعنى الله ، أَى لئن لم يثبتنى على الهدى لأَنَّ أَصل إِلى الهدى من حين كان حياً فى البطن وما زال يزداد ، فليس المراد لئن لم يعطنى ربى الهدى ﴿ لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴾ تلويح بقومه ، أَو لمطلق من لم يكن على ما كان عليه بأنهم على ضلال ، جادلهم بأفول الكوكب ، أَو استدل ولما لم يؤثر فيهم ، أَو فرض أَلاَّ يؤثر فيهم وهو مستدل ، استدل ببزوغ القمر وأفواله ، ولما لم يؤثر أَو فرض عدم التأثير جادلهم بأفول الشمس ، كما قال :

﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّى ﴾ فى زعمكم ، أَو بطريق الاستدلال ، أَو قال : يقولون هذا ربى ، وذكَّر الإِشارة لأَن الخبر غير مؤنث وهو الراجح فى المؤنث المخبر عنه بالمذكر ، ولأَن الله سبحانه منزه عن صيغة التأْنيث ، يقال : الله خلاق وعلام لا خلاقة وعلامة بالتاء مع أَنها آكد ، وعندى : لا يجوز فى الله أَن تقول : الذات الواجبة بل الواجب بلا تاء ، وينبغى أَلا يطلق عليه الذات أَيضاً لأَنه لفظ تأنيث لكن جرى التعبير به والصواب أَن يقال : الشىء الواجب بالنفس أَى لا بغيره ، فإِن الصحيح إِطلاق النفس على الله ، أَو ذكَّر الإِشارة لأَن الشمس نجم أَو أَراد هذا الجسم البازغ ﴿ هَذَا ﴾ ذكَّره لتأْويل النجم ، أَو هذا الجسم البازغ لا لتذكير الخبر لأَن هذا الخبر المذكور لا يذكَّر له المؤنث لأَنه اسم تفضيل شأْنه ذلك لتنكيره ، تقول فى المرأَة هذه أَكبر لا هذا أَكبر ، ولا صحة لقول من قال أَنه لا تأْنيث فى لغة العجم لاسم الإِشارة ، ولا لقول من قال أَن الإِضافة مقلوبة فى لغة العجم فإِن الذى شاهدناه غير ذلك فى أَكثر اللغات ونسبى فى ن\بنى عدى من العرب ، ولسانى بربرى موافق للعربية كلها إِلا قليلا ، ولا يذكر فى العربية شىء من أَلفاظ العجمية ولا من قواعدها إِلا الأَسماءَ ﴿ أَكْبَرُ ﴾ من الكواكب والقمر جرماً وضوءاً ونفعاً وتأَثيراً بإِذن الله ، فلعلها الرب بطريق الاستدلال ، أَو فى زعمكم ، ويقال أَن الشمس مائة وستة وستون مثلا وربع وثمن مثل الأَرض ، وستة آلاف وستمائة وأَربعون وأَربعون مثلا وثلثاً مثل للقمر ، وأَن الأَرض تسعة وثلاثون مثلا وخمس وعشر مثل للقمر ﴿ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ ﴾ لنفسه كأَنه يخاطب قومه بحضرتهم وهم غائبون ، وهذا على طريق الاستدلال ، أَو خاطبهم تحقيقاً وهو المتبادر من قوله يا قوم ، وعلى كل حال لما قويت الحجة فى الاستدلال أَو فى خطابه قومه صرح بالبراءَة من دين قومه ﴿ يَا قَوْمِ إِنِّى بَرِئٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ من إِشراككم ، أَو من الأَشياء التي تشركونها بالله سبحانه وتعالى ، من الشمس والقمر والكواكب والأَصنام والآدميين ، كما أَن الأَب عندهم رب لزوجه ، وهى رب لولدها ، ونمرود رب لهم لعنهم الله ، والمخلوق العاجز المحدث كيف يكون إِلهاً؟ ، وإِنما الإِله هو القديم الموجود لغيره على أَنواع من الجائزات يخصها بها زماناً ومكاناً وذاتاً وأَحوالاً ، وسائر العوارض ، وأَفعاله على صفاته وذاته .

٨٦٦ / ٦٬٢٣٦