تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنعام

الجزء الأنعام · صفحة ٠
[سورة الأنعام — آية 83]

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالله ورسوله وكل ما يجب الإِيمان به عليهم ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ ﴾ ولم يخلطوا ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ لأَنفسهم بكبيرة فيما بينهم وبين الله ، أَو فيما بينهم وبين الخلق ، والتنوين للتعظيم ، فإِن الكبيرة ذنب عظيم كاسمها ﴿ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ ﴾ فى الآخرة من عذَابها ﴿ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ إِلى ما ينفعهم دنيا وأُخرى ، وأَما من آمن ومات على كبيرة غير تائب فلا أَمن لهم وهم ضالون ، وهذا رد على المرجئة الخلص الذين لا يجزمون بالهلاك على من مات وهو مصر وعلى الأَشعرية الذين أَجازوا دخول المصر الجنة ، وقالوا بأَنه يقع لبعض والبعض الاخر يدخل النار ، ويخرج منها عندهم فكانوا فى طرف من المرجئة ، وأَما حديث البخارى ومسلم بسندهما عن ابن مسعود أَنه لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين قالوا : أَينا لم يظلم نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس ذلك ، إِنما هو الشركنم أَلم تسمعوا قول لقمان لابنه ﴿ يا بنى لا تشرك بالله إِن الشرك لظلم عظيم ﴾ وفى رواية : ليس هو كما تظنون إِنما هو كما قال لقمان لابنه ، فإِن صح فإشنما هو بيان لهذه الآية أَن المراد بالظلم فيها الإشراك ، ويناسبه أَن الآية فى الفريقين فتبقى سائر آى الوعيد وأَحاديثه الدالة على هلاك من مات على كبيرة من الكبائر السبع أَو سائر الكبائر ، ومنها الإِصرار على الصغائر فى إِيمانه خيراً لا ينفعه إشيمانه ، ولنا أَيضاً دليل عقلى لا يقاومه حديث الآحاد ، وهو أَن الإِيمان لا يجامع الكفر ، وأَما ما أَجابت به الأَشعرية من أَن المراد بالإِيمان التصديق بوجود الصانع وهو يجامع تعديد الآلهة ، أَو المراد بالإِيمان باللسان دون القلب ، وأَن المراد بالظلم الإِشراك بتعديد الآلهة ، أَو بالقلب دون اللسان فيرده إن ظلماً نكرة فى سياق النفى ، فهى إِما استغراق لكل كبيرة ، وإِما ظاهرة فى الاستغراق ، وأَيضاً لم يذكر فى القرآن آمن وأُريد به مجرد التصديق ، ولو مع التعديد ، أَو التصديق باللسان فقط إِلا وهو مقرون بما يدل على ذلك ولا دليل هنا ، وأَما آيات المشيئة مثل يغفر لمن يشاء ، ويغفر ما دون ذلك ، فمعناه المغفرة لمن يشاء توفيقه للتوبة ، وإِلا لزم أَن يغفر للنصارى مع بقائهم على الشرك ، فى قوله ﴿ وإِن تغفر لهم فإِنك أَنت العزيز الحكيم ﴾ والآية من كلام الله عزو جل على الصحيح ، أَو من كلام إِبراهيم كما روى عن على مستأنفة ، أَو يقدر خبر لمبتدأ محذوف ، أَى الفريق الأَحق بالأَمن الذين آمنوا . . إِلخ . . وعلى هذا يكون أُولئك مستأنف ولا حاجة إِلى تقدير قال إِبراهيم : الذين آمنوا . . إِلخ . . ولا يصح ما قيل أَنها من كلام قومه ، أَجابوا بما هو حجة عليهم

﴿ وَتِلْكَ ﴾ القصة التى ذكرناها عن إِبراهيم من قوله تعالى

﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ إِلى ﴿ مهتدون ﴾ أَو تلك القولة التى قالها إِبراهيم ، سمى ما ذكر عنه كله قولة ، لأَنه متوارد على معنى واحد وهو التوحيد ، أَو تلك الأَقوال وأَفردها بتأويل الجملة ، وآخر ذلك مهتدون على ما مر من تمام كلام إِبراهيم أَين هو مع أَن ما كان من الله هو حجة لإِبراهيم ولو لم يذكر عن إِبراهيم بلفظة ، وضعف جعل الإِشارة إِلى قوله ﴿ أَتحاجونى ﴾ إِلى ﴿ مهتدون ﴾ لأَنه لا دليل على تخصيصه ، ولأَن الاحتجاج بقوله ﴿ رأَى كوكباً قال هذا ربى ﴾ إِلخ أَظهر ﴿ حُجَّتُنَا ﴾ خبر ، أَو بدل أَو بيان ، وعلى الأَول يكون ﴿ آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمَهِ ﴾ خبراً ثانياً أَو حالا من حجة لأَن المبتدأَ إِشارة ، وعلى الثانى والثالث يكون خبراً وعلى قومه حال من ضمير النصب أَو متعلق بحجة بمعنى الشئ المحجوج به ، وإِن جعلناه مصدرا لزم الفصل بينه وبين معموله بالخبر أَو الحال ، ولا مانع من تعليقه بآتينا لأَن المعنى أَلقيناها على قومه لإِبراهيم ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾ فى العلم والحكمة ، كما فاق إِبراهيم عليه السلام فى صباح شيوخ عصره واهتدى إِلى ما لم يهتد إِليه الأَنشاء والأَكابر ﴿ إِنَّ رَبَّكَ ﴾ هذا رجوع إِلى خطاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، كقوله ﴿ قل إِن هدى الله ﴾ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فى قوله وفعله ، ومن ذلك رفعه درجات من يشاء وخفض من يشاء ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأَحوال خلقه ، ومنها استعداد من يستعد لرفع درجاته .

٨٧٢ / ٦٬٢٣٦