تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنعام

الجزء الأنعام · صفحة ٠
[سورة الأنعام — آية 91]

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ما جعلوا الله قدرا يليق به ، أَى وصفا ، لكن لا يمكن الوصول إِلى غاية ذلك ، وهذا أَولى من أَن يقال : المراد قدره فى الرحمة لعباده وفى السخط على الكفار وشدة البطش حين جسروا على قول السوءِ ، فإِنه لا يناسب قوله ﴿ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَئٍ ﴾ فإِن هذا يناسب أَن يراد بالقدر العظمة ومنها التوحيد المنافى لإِنكار الإِنزال على بشر ، ومن معانى القدر العظمة ، أَى ما عظموه حتى عظمته ، ويقال : ما عروفا الله حق معرفته ، والأَصل : وما قدروا الله قدره الحق ، فأُضيفت الصفة للموصوف ، ولا يلزم هذا ، بل المتبادر أَن المراد شأن قدره ، أَو رتبة قدره ، متعلق بقدروا أَو بقدره . وقيل : حرف تعليل ، قلت : هى ظرفية والتعليل مستفاد من مدخولها ، والواو لليهود فخاص بن عازوراءَ ومالك بن الصيف ومن رضى بقولهما ، وهم نفر يسافرون لكة عناداً ، أَو أُريد واحد عظم فى السوء كعظم جماعة فى الشر ، خاصم النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : أَنشدك الله الذى أَنزل التوراة هل تجد فيها أَن الله يبغض الحبر السمين- وكان مالك كذلك- فقال : نعم . -وكان يحب إِخفاء ذلك لكن أَقر لإِقسام النبى صلى الله عليه وسلم - فقال النبى صلى الله عليه وسلم : « أَنت حبر سمين ، سمنت من أَكلتك التى تطعمك اليهود » ، فضحك القوم ، وخجل مالك بن الصيف ، أَى فيكون مبغوضاً ، فغضب ، والتفت إِلى عمر رضى الله عنه ، وقال : ما أَنزل الله على بشر منشئ ، فقال أَصحابه : ويحك ، ولا على موسى؟ فقال : والله ما أَنزل الله على بشر من شئ . فلما سمعت اليهود بذلك وقالوا : أَليس الله أَنزل التوراة على موسى فلم قلت هذا؟ قال : أَغضبنى محمد فقلته . فقالوا : وأَنت إِذا غضبت تقول على الله غير الحق ، فعزلوه من الحبرية وجعلوا مكانه كعب بن الأَشرف لعنهما الله ، وفى ذلك نزل : « وما قدروا الله حق قدره » وأَنت خبير بأَن القائلين سافروا إِلى مكة ، فلا يعترض بأَن السورة مكية ، وأَن القصة مدنية ، وأَيضاً نزلت السورة مرتين فيما قيل ، والآية على ظاهرها من نفى الأَنبياء كلهم وكتبهم كلها لثوران الغضب ، والمراد بالذات نفى النبى صلى الله عليه وسلم والقرآن ، ولكن جمله الغضب على نفى كل نبى وكل كتاب مبالغة فى نفى النبى صلى الله عليه وسلم والقرآن ، ليكون كنفى بحجة ، وأَنت خبير أَن الله عز وجل أَنزل الآية مجازاة على لفظة لسانه المجاهر بالسوء ولو كان فى قلبه ثبوت التوراة كما صرح به عن نفسه ، وفى ذلك أَن الغضبان المتعمد مؤاخذ بما قال أَو بما فعل ، كالسكران بمحرم عمداً ، وقال بعض على طريق الشكل الثالث : موسى بشر ، موسى أنزل عليه كتاب ، وهاتان قضيتان شخصيتان فى حكم الكليتين ، والأُولى من قوة الآية ، والثانية من صريحها ، ينتج أَن بعض البشر أنزل عليه كتاب ، وهذه النتيجة موجبة جزئية تكذب السالبة الكلية اليهودية ، وهى لا شئَ من البشر أنزل عليه كتاب ، وأَجاب الله بأَن إِنزال القرآن من الجائز كما أَنزل التوراة على موسى ، فقال ﴿ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثيراً ﴾ منها وهو ما صعب عليهم ، وصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن إِخفائه ما صعب عليهم إِخفاء آية الرجم ، وآية : إِن الله يبغض الحبر السمين ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ ﴾ وهذا نص فى أَن الآية فى اليهود لا كما قيل فى مشركى قريش ، فإِن مشركى قريش لم يقرأُوا التوراة ، ولم يجعلوا قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً ، ولا علموا ما لم يعلموا ولا آباؤهم إِلا أَن لهم بعض إِذعان لتوراة موسى ، وشهرت عندهم ، وكانوا يخالطونهم ويسأَلونهم عما فى التوراة .

قال الله تعالى : أَن تقولوا إِنما أنزل الكتاب على طائفتين . أَو تقولوا لو أَنا أنزل علينا الكتاب لكنا أَهدى منهم . وإِلا أَن يراد علمتم بالقرآن ما لم تعلموا أَنتم ولا آباؤكم ، ووقع ذلك فى المدينة ، والسورة نزلت فى مكة ، ونزلت فى المدينة مرة ثانية والقصة فى المدينة ، وقبل نزلت فى مكة إِلا هذه ففى المدينة ، ويروى أَن مالك بن الصيف كان يخرج مع نفر إِلى مكة معاندين . والمراد : وعلمتم أيها اليهود على لسان محمد صلى الله عليه وسلم مما أوحى إِليه بياناً لما التبس أَو أَخفاه من تقدم ، وزيادة على التوراة أَن هذا القرآن يقص على بنى إِسرائيل أَكثر الذى هم فيه يختلفون ، وقيل : الخطاب فى علمتم إِلخ لمن آمن من قريش ، ونوراً حال من الهاء ، أَو من الكتاب ، هو فى نفسه نوراً ، أَى ظاهر كالضوء اللامع وهدى . . . وتجعلونه إِلخ حال من الكتاب أَو من الهاء ، ومعنى جعلها قراطيس جعلها فى قراطيس بحذف الجار ، أَو بقدر تجعلونه ذا قراطيسي ، أَو تجعلون ظروفه قراطيس ، وإِذا كان الخطاب كله لليهود فالمراد علمتم أَيها اليهود بالتوراة ، أَو علمكم الله بالقرآن ما لم تعلموا زيادة وأَنكرتموه ، كما قال : قد جاءَكم رسولنا يبين لكن كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ، أَو من إِخفاء ما أَرادوا أَو إِنكاره أَو محوه أَو تبديله ، وقيل ذلك الكثير لم يكتبوه فى القراطيس إِخفاء له والناس بنو إِسرائيل وغيرهم ﴿ قُلِ اللهُ ﴾ أَنزله الله ، أَو الله أَنزله ، أَو منزله الله ، والأَول أَولى لورود الجواب بالفعلية فى قوله ﴿ خلقهن العزيز العليم ﴾ ووجه الأَوجُهِ الأَوجَهِ بعده أَن السؤال بالاسمية فليكن الجواب بها ، أَما كان لا بد أَن يقروا بأَن الله أَنزله أَمره أَن يقوله ، أَو كأَنهم دهشوا لافتضاحهم حتى لا يقدروا على رد الجواب فأَمره صلى الله عليه وسلم برد الجواب تنبيهاً على حيرتهم ، أَو أَمره لأَنهم لا يقولون عناداً ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ ﴾ باطلهم متعلق بذر ، أَو بقوله ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ أَو بمحذوف حال من الهاء أَو من واو يلعبون ، ويلعبون حال من هاء ذرهم ، أَو من هاء خوضهم ولو كان مضافاً إِليه لأَن المضاف صالح لعمل الرفع والنصب لأَنه مصدر ، وإِنما فى خوضهم حالا من الهاء جاز أَن يكون يلعبون حالا من المستتر ، والأَمر بالجواب والإِعراض عنهم بعد الجواب يصح قبل نزول القتال وبعده فلا نسخ فلا تهم ، ويلعبون يستهزئون .

٨٨٠ / ٦٬٢٣٦