تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنعام

الجزء الأنعام · صفحة ٠
[سورة الأنعام — آية 93]

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ استفهام إِنكار أَى لا أَظلم لنفسه وللخلق ولدين الله ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً ﴾ مفعول به لافترى ، أَى اختلق كذباً وأَنشأَه ، ويضعف كونه مفعولا مطلقاً ، وكونه حالا مؤكدة ، أَى ذا كذب أَو لأَن الافتراءَ أَخص من الكذب ، فليس كقولك قمت وقوفاً ، أَو قمت واقفاً ، ولا يتبادر المعنى هنا بالنصب على التعليل . وافتراء الكذب أَن يقول : أَنا نبى ، أَو أَنا رسول من الله ، أَو ذلك ودعوى الولد والشريك ، أَو ما أَنزل الله على بشر من شئ ، ﴿ أَو قَالَ أُوحِىَ ﴾ أَى أَوحى الوحى ، أَى ما من شأْنه أَن يوحى ، أَو النائب هو قوله ﴿ إِلىَّ ﴾ وهو أَولى لأَن الأَول يشير إِليه لفظ أوحى مع أَنه معمول لأَوحى ، ولا يتكرر قوله أوحى إِلىَّ مع قوله افترى على الله كذباً لاختلاف التلفظ ، إِذ افتراء التلفظ أَن يقول : أَنا نبى أَو رسول وهو غير لفظ أَوحى إِلىَّ ، وأَولى من ذلك أَن يقال : افترى على الله كذباً بمعنى أَرسل لله فلاناً أَو نباه وليس كذلك وغير ذلك ، وذلك كمسيلمة وسجاح امرأَته والأَسود العنسى ، فهم قالوا : أَنا نبى ، وأَقوامهم قالوا كذباً عليهم أَن هؤلاء أَنبياء ، وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقتلوا فى خلافة الصديق ، أَو قال أَباح الله عبادة غيره ، أَو حرم البحيرة ولا سائبة والوصيلة والحامى ونحو ذلك من الافتراء فى دين الله عز وجل ، ولا يقال : العطف تفسير أَو تفصيل لأَن ذلك لا يكون بأَو ﴿ وَلَمْ يُوحَ إِليْهِ ﴾ الهاء للمفترى ، وقيل للنبى ، والكلام مَنْ للمفترى والواو للعطف أَو للحال ﴿ شَئٌ ﴾ الجملة حال من ضمير قال ﴿ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ ﴾ من نفسى ، ويل معناه أَنا قادر على الإِنزال ﴿ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ﴾ عطف على من كعبد الله بن سعد بن أَبى سرحن إِذ قال فتبارك الله أحسن الخالقين بعد كتابته ما قبلها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اكتبها فإِنها نزلت كذلك » ، فارتد فقال : إِنى أوحى إِلى كما أوحى إِلى محمد ، وإِن كان محمد كاذباً فقد قلت ما يقول ، ومن لازم من أوحى إِليه فى الجملة أَن يوحى إِليه بعد أَو صرح بأَنه سيوحى إِلىَّ وأَسلم بعد ، وكان فتح أَكثر بلاد الغرب على يديه ، وككفار قريش إِقالوا : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، على معنى لقلنا بالوحى من الله مثل ذلك ، وما قاله محمد إِلا ما سطره الأَولون من الوحى وليس موحى إِلى محمد وهم المستهزئون . ﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ يا محمد أَو يا من يصلح لأَن يرى ، أَى ولو ترى الظالمين إِذ هم فى غمرات الموت ، لكن لما حذف لزم الإِظهار وبطل الإِضمار ، فقال ﴿ إِذِ ﴾ ظرف للرؤية ﴿ الظَّالِمُونَ ﴾ المذكورون بالافتراء على الله ، والقول أوحى إِلىَّ ، والقول سأُنزل مثل ما أَنزل الله ، ويجوز كون إِذ مفعولا لترى ، أَى ولو شهدت ذلك الوقت بما فيه ﴿ فِى غَمَراتِ المَوْتِ ﴾ شداته ، وكأَنهم تغمرهم سكراته ، كما يغمر الماءَ من فيه ، وجواب لو محذوف يقدر بعد تستكبرون ، لرأَيت أَمراً فظيعاً ، ويجوز أَن لو تمنية فلا جواب لها ﴿ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيِهمْ ﴾ الجملة حال من ضمير قوله فى غمرات ، أَو عطف على الاسمية قبلها ، والمراد بسط الأَيدى بالعذاب بما قدروا عليه فى ضرب الوجوه والأَدبار بمقاطع من حديد ، أَو بسطها بعصر الأَرواح كالغريم الملح على من عليه الحق لا يؤخره لحظة ، القائل لا أفارقك حتى أَنزع حقى من كبدك وحدقتك وقلبك ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ أَرواحكم إِلينا من أَبدانكم لنقبضها ، وهذا مجاز مركب ، إِذ لا قدرة لهم على إِخراج أَرواحهم إِلى الملائكة ، وإِنما المراد الإِيذاء والتغليظ ، كما أَن المراد التحسر لا ظاهر اللفظ كما فى قوله :

هواى مع الركب اليمانين مصعد … جنيب وجثمانى بمكة موثق

ويروى أَن أَرواح الكفار تأْبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج ، أَوخلصوا أَبدانكم من أَيدينا ، أَو نحوها من عذابنا ، أَو الأَمر للتعجيز ، ويجوز كون ذلك استعارة مركبة للإلحاح والتشديد ، والحمل على الحقيقة أَولى وهى الأَصل ، والجملة محكية بحال محذوف ، أَى قائلين أَخرجوا أَنفسكم ﴿ الْيَوْمَ ﴾ وقت غمرات الموت ، أَو وقت الموت إِلى ما لا نهاية له متعلق بأَخرجوا ، وفى أَخرجوا أَرواحكم اليوم أَى فى الدنيا ، أَو خلصوا أَبدانكم من العذاب اليوم أَى فى الدنيا ، والمتبادر تعليقه بقوله ﴿ تُجْزَوْنَ ﴾ واليوم وقت غمرات الموت ، أَو يوم القيامة ﴿ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ أَى الهوان ، عذاب الموت أَو ما بعده ، كقوله : أَيمسكه على هون ، أَى على هوان ، وأُضيف العذاب للهون لأَصالته فى الهوان وتمكنه فيه ، وللتحرز عن عذاب يكون للتأديب والزجر كضرب الأَدب والحدود والنكال ، وكعذاب السعيد فى موته تطهيراً من الذنوب ، أَو بولغ بأَنه نفس الهون فاعتبر النعت به أَى العذاب بالهون كما فى آية أُخرى ، ثم أضيف إِليه ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ﴾ أَى بكونكم تقولون ، وتراهم يقدرون الخبر من مصدر خبر الكون زعما منهم أَن كان التى لها خبر لا مصدر لها وليس كذلك . فيقدرون بقولكم ﴿ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ كدعوى النبوءَة والإِيحاء لغير أَهلها ، وإِنزال مثل ما أَنزل الله ، ودعوى الولد والشريك ، وغير مفعول به لتقولون نصب المفرد لتضمن معنى ذكر ، أَو كأَنه فى معنى الجملة ، فإِن قول : أَنا نبى ، أَو لله ولد ، ونحو ذلك جملة أَو نعت مصدر محذوف ، أَى قولا غير الحق ﴿ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ ﴾ عن تصديق آياته ﴿ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ تترفعونَ فلم تتأَملوا ، فلم تؤمنوا بها أَو بالله ، والمراد بالآيات النقلية أَو العقلية ، أَو كلتاهما .

٨٨٢ / ٦٬٢٣٦