تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنعام

الجزء الأنعام · صفحة ٠
[سورة الأنعام — آية 138]

﴿ وَقَالُوا هَذِهِ ﴾ إِشارة إِلى ما جعلوا لآلهتهم من الأَنعام والحرث ﴿ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ كانوا يعزلون قدرا من الحرث حين الحرث لها ولا يؤخرونه إِلى أَن تجنى ثماره أَو تحصد ، أَو المراد ثمار حرث ويناسبه قوله ﴿ لاَ يَطْعَمُهَا ﴾ لا يأكلها ﴿ إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ ﴾ فإِن الحرث بالمعنى المصدرى لا يؤكل فتبين أَن المراد بالحرث ثمار تنشأ عنه ، أَو المراد بالحر الحب مثلا المحروث فيقدر أَيضاً الثمار الناشئة عنه ، أَو من مجاز الأَول فإِنه يصير بعد ثمار أَى لا يطعم ثماراً تتولد منه ، أَو الحرث نفس الثمار المتولدة ، وحجر محجور أَى ممنوعة نعت لأَنعام وحدث لأَنه مصدر أطلق بمعنى الوصف فصلح للقليل والكثير وللذكر والأُنثى ومن شأَنهم خدمة الأَوثان وسائر الرجال ﴿ بِزَعْمِهِمْ ﴾ متعلق بحال من واو قالوا أَى ملتبسين بزعمهم ، أَو متعلق بقالوا أَى قالوا فى زعمهم لا بنشاء ولا حال من ضميره لأَنه ليس فى كلامهم لفظ بزعمهم بل هو من الله عز وجل ، كما أَنه لا يجوز تعليق بزعمهم المذكور قبل هذا بالله ولا بمتعلقة لأَنه ليس من كلامهم ﴿ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ أَى وهذه أَنعام أخر . وجملة حرمت إِلخ نعت ، وجملة هذه أَنعام معطوفة على هذه أَنعام ، وهذه الأَنعام الأُخرى البحائر والوصائل والسوائب والحوامى ناقة تلد خمسة آخرها ذكر وإِن ولدت شاة أنثى فلهم أَو ذكر ذبح للصنم أَو إِياهما يذبح ، إِن شفيت من مرض فناقتى سائب ، الحامى ولد عشرة لا يركبونها لحج ولا لغيره ولا يحملون عليها ﴿ وَأَنْعَامٌ ﴾ عطف على أَنعام وقوله ﴿ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا ﴾ نعت أَنعام أَى لا يذكرون اسم الله عليها عند ذبحها ، بل أَسماء أَصنامهم أَو المعنى لا يحجون عليها ولا يعتمرون ، ولا يفعلون عليها خيراً ، فإِن من شأن من دخل حجاً أَو عمرة أَو دخل فعل الخير أَو أَراد دخول ذلك أَن يذكر الله جل وعلا فذكر اللازم عن الملزوم بطريق النفى ، وكان مضارعاً لقصد التجدد والاستمرار فى ترك التسمية ، وكذا فى الطعم ، بخلاف التحريم فإِنه بمعزل عن ذلك ، فكان بلفظ الماضى؛ ووجه كون الجملة نعتاً لأَنعام مع أَنها ليست من كلامهم ، والكلام قبل ذلك مسوق فى حكاية كلامهم أَنه نعت كعطف التلقين لتمييز المنعوت ، كما زاد الله من عنده تمييزا لم يسقه من سياق كلامه فى قوله تعالى ﴿ إِنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ فى أَحد أَوجه ، وكأَنه قيل وأَنعام ذبحت على الأَصنام ، أَو لا يحج ولا يعتمر ولا يفعل خير عليها ، ويجوز أَن تكون الجملة من كلامهم على الالتفات السكاكى فإِن مقتضى الظاهر على هذا لا نذكر اسم الله عليها بل تخصص بالأَصنام ، وفي هذا الوجه لا ينصب قوله ﴿ افْتِرَاءً عَلَيْهِ ﴾ بيذكرون بأَن يقال لأَ ، هم لا يقولون عن أَنفسهم لا نذكر اسم الله افتراء عليه ، وإِن قلنا أَنعام مبتدأ للتنويع خبره حرمت وأَنعام مبتدأ للتنويع خبره لا يذكرون اسم الله لم يكن من كلامهم ، بل إِخبار من الله عنهم بالنوعين انتصب بيذكرون ، ويقدر مثله لحرمت ، وهو حال أَى قالوا مفترين أَو ذوى افتراء أَو لا يذكرون الله مفترين ، اللهم إِلا على معنى لام العاقبة وعليه متعلق بافتراء ويخرج بالتعلق به عن أَن يكون مصدراً مؤكداً ﴿ سَيَجْزِيهِمْ ﴾ بالنار الدائمة ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ على كونهم يفترون أَو على ما يفترونه أَو بسببه أَو بدله .

٩٢٧ / ٦٬٢٣٦