العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

و كان عبد الله بن إباض لعزِّته، و بعزيمته الصارمة، و بمنعته من قومه صار يجترأ على المذكور في نقاشه، و دار بينه و إياه مقال طويل و عريض، أبان فيه عبدالله بن إباض الحجج الصريحة التي يعرفها عبدالملك ؛ لأنَّه كان علامة فقيهاً كما جاء في ترجمته، و يعلم حق العلم أنَّ عبدالله بن إباض لا يحابي و لا يداهن، و هو عزيز الجانب في دينه و دنياه، فله في هذا المقام ما شهر به في العالم العربي في عهده، و لذلك لم يشع ذكره بعدُ لأنَّه بموته مات ذكره، إذ لم يكن له تلامذته، يؤثرون أقوله و أفعاله، بل هو نفسه يصدر عن آراء الإمام أبي الشعثاء - رحمه الله -، وعليه يعتمد، و إنما شاع اسمه أيام عبدالملك لما قام به إذ ذاك من نضال، و حوار فنسب إليه من كان على طريقته من المسلمين.

لذلك يقول الإمام الناظم - رحمه الله - : من ذاك لا تلقى له في المذهب مسألة نَرْسُمُها في الكتب بل كان عبدالله بن إباض زعيماً دينياً وإماماً بمعنى الزعامة الصحيحة، فإنَّها هي التي يصح أن يقال فيها خلافة راشدة، و إن صغرت هيئتها، فإنَّ أهل الحق قليلون بالنسبة إلى أهل الباطل، و عبدالملك من أشد ملوك بني أمية، فقام له هذا البطل الإسلامي الذي ربته الشريعة الإسلامية السمحاء، و غذته الطريقة الحقة في الإسلام،[90] و كانت العرب بطبيعة الحال لا تقر على الضيم، و لا ترضى بغير العدالة كما قال قائلهم (1) :

ولم يبق في الأرض يخشاه الملوك إلا الإباضية ؛ لأنَّ من عدا الإباضية يخضعون للملوك خضوع الرَّاكع السَّاجد للملك المعبود، فما يفعله الملوك يقدسه المملوك، فمن ذا الذي يحاذرونه و الحال هذا.

أمَّا الإباضيون لا يَرْضَوْن من أئمتهم أدنى زلَّة تقع منهم حتى يعاتبوهم عليها، و يقوموا عليهم من أجلها، و لا يتركونهم حتى يعلموا عذرهم فيها، فكيف يرضون الملوك الظلمة، و الأمراء الجورة في الدين، يدوسون وجه الحق و لا يبالون.

١٤٤ / ٤٧٢