المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٦٤واعلم أنَّ الإباضية من جملة فرق الإسلام الثلاث وسبعين فرقة، التي ورد حديث الافتراق بها، و لكنها فرقة ثبتت على الحق، و قرَّت (1) على جسر العدالة، فعادتها الأمم الجائرة، وحاربتها الطغاة الفاجرة.
فإنَّ بني أمية انحرفوا عن النهج الحق كل الانحراف، و من سيئاتهم التي لا مثيل لها جعل الحجاج بن يوسف أمير العراق، والعراق ذلك العهد أكبر محاط رجال العلم، و ملجأ الفقه، و مغرس الفضائل، حتى أنَّ أهل العلم ضربوا للعلم مثلاً شاع بينهم، فقالوا نشأ العلم في المدينة، و فرَّخ في العراق، وطار إلى عمان.
كان جابر بن زيد و هو عماني نزيل البصرة، وهي إحدى مدن العراق الكبرى، فضرب مخيمه بها طالباً للعلم، و مطلوباً منه، و كان العمانيون الذين لهم في خدمة العلم والإسلام الأقلام العالية، و هم روح حياة العلم إذ ذاك في البصرة، فكان جابر بن زيد إمام الفقه في جميع نواحيه، و الربيع بن حبيب راوي المسند عمدة الحديث، و الخليل بن أحمد و ابن دريد أركان الأدب بجميع معانيه،[104]و المهلب بن أبي صفرة حامل الزعامة في الأمة، فكانت إذ ذاك البصرة و هي الفيحاء مضرب المثل، فهي بصرة المهلب إمارةً، و هي بصرة أبي الشعثاء فقهاً، و هي بصرة الخليل بن أحمد و ابن دريد نبلاً و أدباً.