المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٦٥و كان أبو عبيدة الضرير آية ذلك العصر، فكان هؤلاء مصدر الخير و الفضل والشرف، ومضرب المثل الأعلى، و كانوا يعرفون بالإباضية اسماً تمييزاً فقط، بل كان هؤلاء الأبطال المذكورون مرجع عبدالله بن إباض في شؤونه كلها، و كانت شهرته لمنعته إذ قاوم كثيراً من بدع الملوك الأمويين، و ناضل عن أهل الحق من المسلمين، و أيَّد كل محقِّ في الدين، و كان لرهطه المنيع، وشرفه الرفيع، استحق الشهرة والصيت، فقيل لمن كان هذا منهجه إباضياً، أي يقول بقول ابن إباض، و ابن إباض يرد بدع بني أمية و لا يستسيغها كغيره.
فهذا هو الأصل الأصيل لهذه الأمة الإباضية، إذ لا مسألة واحده له في الدين يأخذ بها أحد من المسلمين إلا ما ذكروه من كتبه لعبد الملك بن مروان، و هي مشحونة فقهاً، و مبنية على دعائم النصح، ومقررة لأسس العدالة، و لم تكن حديثا يفترى.
و كان أصل هذه التسمية من قومنا، إذ أضافونا إلى عبدالله بن إباض حين اتحد المنزع و اتفق المقصد، و ظهر ابن إباض بمظهر الحق، و وافقه أولئك العلماء الأمجاد، فكان رأيه رأيهم، و نظره نظرهم، فقيل لهم بذلك إباضية، و شاع ذلك في القطر العراقي، و ذلك في الصدر الأول، غرة العصور، و صفوة العهد، و دائرة العلم الإسلامي، و لم تزل تلك الأيام جديدة زهراء، لأنَّ جداول العلم تفيض عليها صافية النبع ضخمة الوقع،[105] فكان علماء ذلك الوقت مرجع ما بعده من الأوقات.