المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٨١وقد [116] تأول المرجئة هذه الآيات فقالوا في الآية الأولى إن من يعص الله و رسوله و يكون مؤمن لم يتعد حدوده، بل تعدى بعض حدوده، إنما يتعدى الحدود كلها الكافر، و تأولوا الآية الثانية بأن من قتل مؤمناً من حيث إيمانه خاصة - أي لأجل إيمانه لا شيء آخر - فلا يكون القاتل بهذا الوضع إلا كافراً… إلخ.
فالمرجئة يرون أنَّه لا يخلد في النار إلا الكافر. و كان مما قالوه أيضاً أن وعد الله لا يتخلف، و وعيده قد يتخلف ؛ لأن الثواب فضلا سيلاقى الله به، لأنَّ الخلف في الوعد نقص، و العقاب عدل، و له أن يتصرف فيه كما يشاء، و لا يُعد الخلف في الوعيد نقصاً، فخالفوا في ذلك ما قاله المعتزلة كما تقدم من قولهم " (1).
قلت : هذا مبنياً على قياس الغائب بالشاهد، و قياس الرب على الخلق، و نسوا قوله - عز وعلا - " مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ " (2)، فما تتمدح به العرب من أن خلف الوعد كرم لا يمكن قياسه على الله، فإنَّه شارع، و فارض، و مكلف فصلاً مقرراً، وأمراً محتوماً، لا يحال، و لا يزال، و لا يمكن تغيره بوجه ما.
قال :- " و قد كان من الجائز أن يقابل كلام المرجئة و شرحهم لرأيهم في الإيمان بشيء من التسامح لولا أنَّ كثيراً من المتكلمين شعروا بالخطر الذي ينطوي عليه كلامهم في الإيمان."
قلت : هو الذي قدمته لك من انتقاض قواعد الدين، و الخروج به من حيز الحق إلى حضيض الباطل.
قال :- " و هو التقليل من شأن الأعمال، و الإتيان بالطاعات "، قلت : متفرع على تأصيلهم، و لا محال عنه فيه هدم للدين، و إبطال لأعمال شرعها الله، و ذلك مخرج لصاحبه من الإسلام.