المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٨٩والإرجاء كما تراه يفرع للأمة التساهل في الدين، وعدم الاهتمام بالأمور العملية، فلا حَرَجَ على التارك، و لا ميزة للفاعل في مقابلة الترك، فإنَّ الدين يُسْرٌ، فيسِّرُوا و لا تُعسِّرُوا، و قد يسَّرَ المرجئة على أتباعهم، و سهَّلوا لهم الطريق في التهاون بالأمور العملية، فالحمد لله الذي صان الإباضية من سائر الفرق المارقة من الدين المتساهلة بين العاملين، و هل أفسد الدين إلا الملوك و أحبار السوء و رهبانها، و لا يبالون في سبيل أغراضهم الدنيوية، و قد صَحَّتْ أصول الإباضية على قواعد الحقَّ المبُين، و من أراد تحقيق الإرجاء و الخروج والتشيع فليرجع إلى أحمد أمين. (1)
قال الشارح :
لقد وضع الشارح هذه الترجمة هنا ليدل بها على أن الحقَّ و إن كان مُرّاً هو المتبع على ما هو عليه من المرارة في ذوق الذهن الصادق الصافي، و لا شَكَّ أن مرارة الحقَّ ستحلو بعد حين.
و إِنَّ الباطل خليع مرفوض، و إن قام له ذِكْرٌ، و ساعدته الأقدار ؛ لحكمة اقتضت ذلك، فإن جلالة الباطل لا بد أن تغدو يوماً من الأيام و هي رهينة الذل، إلا عند من لا يعرف الحق، ولا يهتدي لعناه (1)، و لهذه الترجمة مناسبة تظهر في شرح الأبيات التالية له في هذا المقام :
[الشرح ]
أَفَرَدَ الإمام الناظم - رحمه الله - الأصل، و جمع الفروع، و ماذا أراد بالأصل ؟هل هو القرآن أو هو الإسلام ؟ و كلاهما وجيه مرضي.
و كأنَّه - رحمه الله- أراد أنَّنَا معشر الإباضية نَسِيرُ على نَهْجِ السَّلف الصالح في أصله و فروعه، لا نتبدَّل، و لا نتغَّير أبداً، إنما التبدل و التغير وقع لغيرنا.
و المراد بالسَّلف الرفيع أي الصدر الأول من هذه الأمة الإسلامية، و هو يقع على الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين لهم على الحق - رحمهم الله -.