العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]

الجزء ١ · صفحة ٢١٢

فمالك يا علي بن أبي طالب و المسلمون كثيرون، فاطلب أهل الحقَّ، و اترك أهل الباطل، ففي مدينة الرسول رجال، و في مكة أبطال، و في بقية بلاد الإسلام من يجيب دعوتك، و يلبي نداءك في الحجاز، و في مصر،و في بلاد الله من أهل الحق من تشد به عضدك، اترك أهل العراق و قد عرفت عنهم شيئاً [139] يكفي لتركهم.

و من كلامه لهم، يقول في معرض التهديد: " أما أنكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً، و سيفاً قاتلاً، و أثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم "، و هو يشير بهذا إلى معاوية و أعوانه من الأمويين، و المعنى إنِّي علمت أنكم لا تراعون الحق، و لا تختارون أهله، و لا تقلون الصدق، و لا ترضون به بدلاً من الباطل، إذ كنتم تحرضوني على قتال النهروانيين، و تقولون بعدما نقضي عليهم نتوجه لحرب معاوية، فمالكم وقد بلغتم مرادكم في النهروانيين تتثاقلون عن معاوية و أهل الشام، و هم الذين أشار إليهم بقوله:- " الظالمين "، و أنهم سيفرقون جماعتكم و تبكي عيونكم، و يدخل الفقر بيوتكم، فتتمنون و الله عندها لو رأيتموني " إلى أن انتهت الخطبة على هذا الوضع مشحونة بالتأنيب و التوبيخ والتقبيح، إلى أن اعترضه الأشعث بن قيس قائلاً : " فَهْلَّاَ فعلت مثل ما فعل عثمان ؟ "، قال له علي:- " و يلك أفكما فعل عثمان رأيتني أفعل عائذاً بالله من شر ما تقول، و الله إن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له، و لا حجة معه إلى آخر ما أجابه به " (6).

و المعنى أنَّ ما فعل عثمان كله فساد و ضلال، و أمَّا ما فعله من تغير سنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فهو ضلال، و أما ما فعله من كونه حصر و اقتحموا عليه سور بيته، فإن كان مُحِقٌّ فقد ترك الدفاع عن نفسه وحرمه، و ليس له ذلك شرعاً، و إن كان غير محق فالأمر أشد.

٢١١ / ٤٧٢