[المقام الخامس]: طاعة الجبابرة تمنع من سلوك طريق الآخرة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨و العقيدة قاضية على العقول بأنَّ ما يفعله الملوك لا يعارضون عليه مهما كان، و لا يعترض عليهم حيث هم أولياء الأمر، فنهدت أركان الإسلام، و انهارت قواعد الأحكام، و تبدل الحلال بالحرام، و اختلاط الحق بالباطل فشاع بين الأنام.
لذلك لم يهدأ روع الإباضية إلا تحت ظلال السيوف، فتجردوا لله مصارعين لجنود الباطل، فنصبوا الأئمة حيث وجدوا لهم طريقاً، و ما أخبر التاريخ عنهم بسوأة واحدة مهما كانت صغيرة أو كبيرة في حروبهم المشهورة، بل حدث التاريخ على اختلاف مؤلفيه، و تباين منازعهم و مذاهبهم، بنزاهتهم في حروبهم، و تلك من أزهر مناقبهم التاريخية في عهود إمامتهم المرضية، خلاف أيام الجور و الغطرسة أهل البغي، فإنَّ أئمة الإباضية مثال للنزاهة و حسن المعاملة لسائر فرق الإسلام من كانوا، و أين كانوا، فإنَّهم يقومون لله لا لدولة، و لا لغرض دنيوي،[164] و معرة الجيوش و غطرستها معروفة مشهورة، فإذا سلمت منها جيوش الإباضية، وعرفت لها فيها النزاهة، فذلك من أعلا مكارمهم، و أعز خصالهم، فإنَّ أوقات الحرب تكثر فيها المعرات من النفوس المتغطرسة، و شرار الحرب و ضغائنها، و احتراق أكباد المصابين فيها أمر لا يجهله أحد، و حتى في ذلك يشهد التاريخ للإباضية بنزاهة الأعمال، وكرم النفوس، و زمامها بزمام العدل، و سوقها بعصا الإنصاف، فالحمد لله الذي منَّ بحسن التوفيق، وكمال الرعية في المكره و المنشط.