[المقام الخامس]: طاعة الجبابرة تمنع من سلوك طريق الآخرة
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤أمَّا من عدا الإباضية و قد تولت عليهم الجبابرة العتاة، شرّابو الخمور، و منتهكو المحارم، و أهل الخلاعات، فنشأوا على ذلك ولداً و مولوداً، و خضعوا لهم سيداً و مسوداً، و تبعوا رغبتهم، فمنهم من سار سيرتهم، و منهم من مشى في رغبتهم و التزم غالباً مرضيهم، و دان لهم لما أحبوا و ما كرهوا تقية لهم،و منهم من ظل يتأول لهم، و يئول الأدلة على مقتضى شهوتهم لينل المنزلة عندهم، و يرفع خسيسته بهم.
أمَّا الإباضية فعلى خلاف هؤلاء فإنَّهم يلتزمون المرضي لرسول الله - صلى الله عليه و سلم - حسب ما جاء في سنته، و إن شد الدهر عليهم، فإن تسلط عليهم ملوك لا يقدرون دفعهم عن رغبتهم تركوهم و ما هم عليه حتى يجدوا ما يزيح ذلك عنهم، و يرفع نير العنت و الظلم عنهم، و إذ ذاك أقاموا الإمامة العمرية الصادقة، و أعادوا الشريعة الغراء، و الحنيفية الزهراء على مجراها الصحيح، و مبناها الثابت، و قد عرف الحق [171] فيهم أعداؤهم، و رأى العدل معهم خصماؤهم.
و إذا تتبعت قواعد الإسلام الصحيحة، و تحققت معالمه الراسية الرجيحة، علمت أن الإباضية على كل أصل مكين قاعدون، و إلى كل منهج واضح سائرون في الأصول و الفروع، كما قال الإمام - رحمه الله- :
فنحن في الأصول و الفروع على طريق السلف الرفيع، و المراد بالسلف الرفيع أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب الفاروق الحقيق، لا يراوغون الأمة مراوغة عثمان، و لا يصرون على خلاف الحق إصرار حسدة النهروان.
كل ما على عواتق الإباضية تأييد الحق، و عون المحق، و إرشاد الضال، و رد المضل، على هذا مضى الإباضية، و سايروا الزمان، و ما زالوا داعين إلى ذلك، راغبين في العدل غير محبين للباطل، و لا محابين لأهله جاروا أم عدلوا لا يقولون بذلك أبدا.[172]
---