العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

المقام الثاني: في بيان معنى الإباضية.

الجزء ١ · صفحة ٨١

ومن هنا تعلم أنَّ هذه الأمة التي أصبحت مشمولة باسمه، و معروفة بمذهبه، لم تتلمذ له، ولم تُقَلِّدْهُ في شيء في تعاليمه ؛ لأنَّ عندها الرجال تُعرف بالحقِّ، لا الحقَّ بالرجال.

فلم يكن عبدالله بن إباض إمام مذهب خاص أخذ به أتباعه، و قَلَّدُوهُ فيه، بل كان هو خاصة يَصْدُرُ عن أهل العلم منهم، كجابر بن زيد، و أبي عبيدة، و إخوانهم، فلم يكن هو من الشيوخ المؤسسين للمذاهب.

و لا كانت هذه الأمة على كثرتها تُقَلِدُ شيخاً خاصاً في أقواله و أفعاله، فتجعله المصدر لها، و تعتمد عليه كمرجعٍ خاصٍ لها، و لو كانت كذلك لكان أبو الشعثاء العالم المجمع على علاميته، و ثقته، و عدالته أحقُّ بذلك.

وقد شَهِدَ له كُلُّ من عاصره من أهل الصَّدر الأول من هذه الأمة، و ناهيك بشهادة ابن عباس - رضي الله عنهما - له كما تداول ذلك أهل العلم، ما كان محتاجاً لأن تُخْلَقُ له الأحاديث، أو تُخْتَلَقُ في حَقِّهِ الأكاذيب ؛ لترويج علاميته، أو تقوم سلطة قهرية تجبر الناس على أقواله، و على الأخذ عنه.

بل لم تَزَلْ السُّلطة القاهرة ضِدَّه، و ضِدَّ إخوانه، فكم عاش و إياهم في السِّجُون الجائرة القائمة بالتنكيل بهم [50]، حتى عاشوا في مَغَارات الأرض، يضعون سلسلة على باب الغار، الذي يدرسون فيه الآثار النبوية، فإذا جاءهم أحد من الشرط، أو الجواسيس تتحرك تلك السلسلة، فيتركون ما هم فيه، و يأخذون في عمل القِفَاف، و إذا قيل لهم : لِمَا وجودكم هنا ؟، أجابوا : كافين أنفسنا حتى لا نسمع، أو نرى شيئاً لا يليق.

٨٠ / ٤٧٢