الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

المقدمة التعريف بالخلق وبالقرآن

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

بها عنه النقص، ذلك لأن إثبات الكلام نفي لضده وهو الخرس، كما أن إثبات العلم نفي للجهل وإثبات القدرة نفي للعجز، وإثبات السمع نفي للصمم، وإثبات البصر نفي للعمى، وإثبات الحياة نفي للموت.

وذهبت المعتزلة إلى عدم الضرورة إلى إثبات صفة أزلية لله تسمى كلاماً إكتفاء منهم في نفي الخرس عنه سبحانه بصفة القدرة، ولعل بعض أصحابنا يرون هذا الرأي، وأصحابنا الذين أثبتوا الكلام النفسي اتفقوا مع الأشعرية في كونه يختلف عن سائر الكلام فهو ليس حروفاً ولا أصواتاً، ولا جملاً ولا كلمات تقوم بذاته عز وجل، إذ ليس المراد به إلا انتفاء صفة الخرس عنه سبحانه.

والمعتزلة الذين اكتفوا بإثبات صفة القدرة له تعالى عن إثبات الكلام الأزلي راعوا أن الصفات الذاتية لا يراد بها إلا نفي أضدادها، وليس الكلام ضداًّ للخرس حتى ينتفي الخرس بإثباته، وإنما ضده السكوت فقد يكون غير المتكلم غير أخرس ولا يكون غير ساكت.

وقد أجاد الإمام ابن أبي نبهان رحمهما الله في تقرير معنى الكلام العاري عن الأصوات والحروف بما تستسيغه الأفهام وتستمرئه الأفكار، حيث قال ما حاصله: (1) إذا أردت أن تدرك حقيقة هذا الكلام فانظر إلى سلطان جوارحك وحاكم جسدك، وهو الجهاز العصبي الذي هو مركز العقل والتدبير - تجده يأمر وينهي في مملكته - وهي سائر جسدك - بكلام تؤديه الوسائط التي جعلها الله بينه وبين أعضاء الجسم وغُدده وخلاياه. ولا تكاد حجيرة في الجسم يصل إليها شيء من الأوامر والنواهي إلا وتبادر فوراً إلى الامتثال، وذلك لما أودع الله في هذا السلطان من قوة غيبية وسرٍّ خفي، فإذا كانت هذه الآية تتجلى في مخلوقات الله سبحانه فما بالك بالخلاق العليم الذي لا ينفلت شيء في الكون من قبضته، ولا تخرج صغيرة ولا كبيرة عن قهره وتدبيره، وذلك

١٠٠ / ٢٣٩