الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

المقدمة التعريف بالخلق وبالقرآن

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

"وقد كان علم الله الذي هو من صفات ذاته ولا توراة معه ولا إنجيل، ولا زبور ولا صحف ولا قرآن، وهو الآن على ما هو عليه كان، لأن الصفات الذاتية لا يجوز عليها التكثر ولا التبديل، ولا التغير أصلا، وإنما تختلف آثارها ومدلولاتها وتكثر أو تقل بحسب التجدد والحدوث معلوماتها، والآثار كلها مخلوقة، قال الله تعالى بـ (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها) الآية 50 من سورة الروم

فالكتب المنزلة إنما هي في الحقيقة مدلولات علمه الذي هو من صفات ذاته سبحانه وتعالى، لا هي نفس صفة العلم الذي هو صفة لذاته القديمة وإلا لكان التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقرآن وجميع الوحي كله قديما موجودا في الأزل مع الله تعالى بهذه الألفاظ المخلوقة المحدثة على كثرتها، فيكون كثير من المخلوقات قديما موجودا في الأزل مع الله القديم الأزلي، وهذا باطل إذ لا قديم سواه، وكل شيء غيره حادث ولا يمكن أن يكون القرآن مثلا قديما معه بلا وجدان صورته مكتوبا أو متلوا بألفاظه وكلماته، لأنه من القول بوجدان حقيقة لم توجد، وهو محال، فعلم ضرورة أن القديم الذاتي علمه بالقرآن والتوراة والإنجيل، كما أن علمه بغيرهن من الكائنات قديم أيضا، لأنه صفة ذاتية للقديم الأزلي الواجب الوجود سبحانه وتعالى، وهذا ما لا يجوز الاختلاف فيه أبدا" (1).

ومما تقدم يتضح للقارئ الكريم الفرق بين الكلام النفسي والكلام الموحى به إلى العباد، كما يتضح الفرق بين الوحي وعلم الله به، ويتضح كذلك وجه إضافة هذا الكلام الموحى إلى الله تعالى وحده، وعدم جواز إضافته، إلى غيره تعالى، اللهم إلا أن يكون ذلك تجوزا كما أضافه سبحانه إلى جبريل في قوله: (إنه لقول رسول كريم) الآية 40 من سورة الحاقة و الآية 19 من سورة التكوير

(1) / تمهيد قواعد الإيمان ص 9 و 10، ط1 وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان

١٠٤ / ٢٣٩