الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

رأس هؤلاء أبا شاكر الديصاني الذي قيل عنه إنه يهودي تظاهر بالإسلام كما كان من سلفه بولس اليهودي الذي مزق أتباع المسيح عليه السلام بما أججه بينهم من نار الخلاف.

وكان الرعيل الأول من السلف الصالح مضى إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنينا من القول في هذا الموضوع، وإنما كانوا مجمعين على أن الله خالق كل شيء وأن ما سواه مخلوق، وأن القرآن - كسائر الكتب المنزلة - كلام الله ووحيه وتنزيله، وهذا الذي اتفقت عليه كلمة علماء المسلمين بعمان في عهد الإمام المهنا بن جيفر، بعدما غشيتهم موجة من الخلاف في هذه القضية بعد أن طمي عبابه وهاجت عواصفه بمدينة البصرة الحافلة بمختلف التيارات الفكرية آنذاك وكانت للعُمانيين صلة وثيقة بها بحكم العلاقات الثقافية والاقتصادية التي تربطهم بها، وليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل ليت المسلمين جميعاً اكتفوا بهذا القدر من الاعتقاد والقول في هذا الموضوع، ولكن استحكمت في القضية أهواء وحكمت فيها العواطف الهوجاء، التي أشعلت سعير هذه الفتنة الذي اصطلى المسلمون أواره.

ومرد ذلك كله إلى الغلو، فإن من شأن المغالاة أن تدعوا إلى ضدها، وكانت بداية ذلك منابذة أهل الحديث ومن سار في ركبهم لأصحاب المدرسة العقلية من المعتزلة وغيرهم، واستعداء السلطات عليهم، وتأليب الناس ضدهم، وعندما دالت الدولة للمعتزلة في أواخر أيام المأمون ثم المعتصم انتهزوا فرصتهم للتشفي والانتقام من أهل الحديث، فأسرفوا في التقتيل والتعذيب، فامتلأت الصدور بالأحقاد، وأخذت القضية مجرى عاطفيا في البحث، وأخذ كل فريق يندد بالفريق الآخر ويكيل له التهم، ويرميه بالبدعة والانحراف.

وبما أن أصحابنا أهل الاستقامة لم يشتركوا في شيء من تلك الفتن،

١٠٦ / ٢٣٩