الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

ولم يلتبسوا بهاتيك الإحن، لم يقعوا تحت تأثير العواطف، فكان بحثهم في القضية موضوعيا صرفا لأنهم انطلقوا فيه من قاعدة الحجة والدليل لا من واقع السخائم والأحقاد.

أما أهل المغرب منهم فلبعدهم عن تلك الأحداث لم يترددوا في إعلان القول الصحيح من أول الأمر، إظهاراً للحق، واستنادا إلى الحجة، وأما أهل المشرق فقد حاول إمامهم الأكبر محمد بن محبوب رحمه الله أن يعلن ما أعلنه إخوانه أئمة وأعلام الجناح المغربي غير أن محمد بن هاشم اشتدت معارضته له في ذلك فانثنى عنه واتفقت كلمتهم على ما ذكرته سابقا عندما اجتمعوا في مدينة دما (السيب حاليا) وهو الاكتفاء بما كان عليه سلف الأمة، وقصر القول عن التصريح بخلق القرآن أو عدمه.

ولا أراهم وقفوا هذا الموقف الصامت إلا سدا للذريعة وتجنبا لمشايعة الظالمين، فإنهم رحمهم الله من أرسخ مبادئهم وأبرز سماتهم مناهضة الظلم ومصارعة الظالمين، من غير التفات إلى من صدر منه الظلم أو من وقع عليه، وكانت الأنباء تترادف إليهم بما يتعرض له أبناء الأمة - من أبشع الظلم وأشنع القسوة - في العاصمة العباسية التي كانوا على مقربة منها، فكانوا كأنما يحسون بأنينهم وسياط الظالمين تلذع ظهورهم وبشهيقهم وصوارمهم، تفصل رؤوسهم عن أجسادهم، فلم يكن لهم - وهم دائماً ثائرون على الظلم، منابذون للظالمين، وقد رقق الإيمان قلوبهم وطهر مشاعرهم من الأحقاد - إلا أن يقفوا هذا الموقف لئلا تجد السلطة الظالمة من قولهم ما يبرر صنيعها، وقد جعلت من الدين جسرا تعبر به إلى ما تهواه من سفك الدماء وإزهاق الأرواح وتعذيب الأجساد، فلله تلك الأنظار الثاقبة، والبصائر النيرة، والسرائر النقية. (1)

(1) /يرى الإمام نور الدين السالمي أن عدم تصريح سلف أئمة الإباضية المشارقة بخلق القرآن وسائر الكتب المنزلة راجع إلى فرارهم من مقالة الجهمية بحدوث صفات الله تعالى الذاتية لخوفهم أن تكون هذه المسألة مفرعة على هذا الاعتقاد " تحفة الأعيان ج1 ص156/ 157 ط، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ") وهو لا ينافي ما ذكرته فلا يبعد أن يكون إمساكهم عن التصريح بخلقه للاعتبارين معاً

١٠٧ / ٢٣٩