الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

لأنه أكده بالمصدر، وأن ابن عبد السلام التونسي شيخ ابن عرفة رده بأن التأكيد بالمصدر لإزالة الشك عن الحديث لا عن المحدث عنه، وتعقبه ابن عرفة بما يؤول إلى تأييد رد ابن عبد السلام) (1)

ولعلنا نستخلص مما قاله هنا وهناك أنه لم يستقر رأيه في هذه المسألة على شيء بعينه، ولعله يرى جواز صحة كل واحد من الرأيين. أما نحن - معشر الإباضية القائلين بخلق القرآن، ومن قال بقولنا من المعتزلة وغيرهم - فقد اتفقنا مع الحنابلة القائلين بقدم النصوص القرآنية، على أن موسى عليه السلام سمع من تكليم الله كلاماً مركباً من الحروف وأنه كان صوتاً، إلا أنا اختلفنا في قِدمه وحدوثه، فقالوا بقدمه وقلنا بحدوثه، وإنما قلنا إن هذا تكليم حقيقي من الله له، لأنه لم يكن بواسطة بل خلقه الله له حيث شاء فأسمعه إياه من غير أن ينطق به ملك أو مخلوق آخر، وقد قال كثير بأنه تعالى خلقه في الشجرة وأسمعه منها، وهذا الذي نسبه الفخر الرازي إلى الإمام أبي منصور الماتريدي (2).

ولا يتعين ذلك لعدم ما يدل عليه، وإنما هو أحد الاحتمالات الواردة. ونستخلص مما تقدم أن الموقف الأشعري في هذه القضية يختلف عن موقف الطائفتين المتباينتين جميعاً، وهو صريح فيما سبق نقله عن الفخر الرازي مما نسبه إلى الأشعري وأتباعه من مخالفتهم لغيرهم في مسألة الكلام.

ونقل عنهم أنهم قالوا: (وكما لا يبعد أن تُرى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيِّز فأي بعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفاً ولا صوتاً). (3)

وهذا الإلزام خاص بمثبتي الرؤية، وأما نحن فلا يطرق - والحمد لله - ساحتنا.

(1) / التحرير والتنوير ج6 ص38 و 39

(2) / التفسير الكبير ج14 ص238 ط دار الكتب العلمية بطهران، ونفس المرجع ج27 ص188

(3) / المرجع السابق ج27 ص188.

١٢٥ / ٢٣٩