الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول اختلاف الأمَّة في قِدَمِ الكلام أو حدوثه

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

ولا أصوات، وقد ورد تمثيله بأن موسى سمع مثل الرعد علم منه مدلول الكلام النفسي) (1)

وهو كما ترى يتناقض مع ما سبق نقله عنه، من تفسيره لقول الله للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، وتعليمه آدم الأسماء، فليت شعري كيف يجمع بين ما قاله هنا وما قاله هنالك؛ على أنه بعد هذا الكلام بما لا يزيد على صحيفة واحدة قال: (وقوله " تكليماً " مصدر للتوكيد، والتوكيد بالمصدر يرجع إلى تأكيد النسبة وتحقيقها مثل قد وإن، ولا يقصد به رفع احتمال المجاز، ولذلك أكدت العرب بالمصدر أفعالاً لم تستعمل إلا مجازاً، كقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) الآية 33 من سورة الأحزاب، فإنه أراد أن يطهرهم الطهارة المعنوية أي الكمال النفسي، فلم يفد التأكيد رفع المجاز، وقالت هند بنت النعمان بن بشير تذم زوجها روح بن زنباع:

بكى الخزّ من روح وأنكر جلده وعجَّت عجيجاً من جذام المطارف

وليس العجيج إلا مجازاً، فالمصدر يؤكد أي يحقق حصول الفعل المؤكد على ما هو عليه من المعنى قبل التأكيد.

فمعنى قوله: (تكليماً) هنا، أن موسى سمع كلاماً من عند الله بحيث لا يحتمل أن الله أرسل إليه جبريل بكلام، أو أوحى إليه في نفسه، وأما كيفية صدور هذا الكلام عن جانب الله فغرض آخر هو مجال للنظر بين الفِرَق، ولذلك فاحتجاج كثير من الأشاعرة بهذه الآية على كون الكلام الذي سمعه موسى الصفة الذاتية القائمة بالله تعالى احتجاج ضعيف، وقد حكى ابن عرفة أن المازري قال في شرح التلقين إن هذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم أن الله لم يكلم موسى مباشرة بل بواسطة خلق الكلام

(1) / التحرير والتنوير ج6 ص37

١٢٤ / ٢٣٩