الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٣٧يكن في زمانهم من يقول هذا إلا الذين قالوا إن القرآن مخلوق، فإن أولئك قالوا بالخلق للألفاظ ألفاظ القرآن، وأما ما سوى ذلك فهم لا يقرّون بثبوته لا مخلوقاً ولا غير مخلوق، وقد اعترف غير واحد من فحول أهل الكلام بهذا، منهم عبد الكريم الشهرستاني مع خبرته بالملل والنحل، فإنه ذكر أن السلف مطلقاً ذهبوا إلى أن حروف القرآن غير مخلوقة، وقال: ظهور القول بحدوث القرآن محدث، وقرر مذهب السلف في كتابه المسمى بنهاية الكلام
أولهما
أفعال العباد، وهي حركاتهم التي تظهر عليها التلاوة، فلا خلاف بين السلف أن أفعال العباد مخلوقة، ولهذا قيل أنه بدَّع أكثرهم من قال لفظي بالقرآن مخلوق (1) 16 لأن ذلك قد يدخل فيه فعله
الثاني
التلاوة الظاهرة من العبد عقيب حركة الآية، فهذه منهم من يصفها بالخلق، وأول من قال ذلك - فيما بلغنا - حسين الكرابيسي وتلميذه داود الأصبهاني17 (2) وطائفة، فأنكر ذلك عليهم علماء السنة في ذلك الوقت، وقالوا فيهم كلاماً غليظاً، وجمهورهم - وهم اللفظية عند السلف - الذين يقولون لفظنا بالقرآن مخلوق، أو القرآن بألفاظنا مخلوق، ونحو ذلك
الثالث
وعارضهم طائفة من أهل الحديث والسنة كثيرون، فقالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، والذي استقرت عليه نصوص الإمام أحمد وطبقته من أهل العلم أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع، هذا هو الصواب عند جماهير أهل السنة أن لا يطلق واحد منهما كما عليه الإمام أحمد وجمهور السلف، لأن كل واحد من الإطلاقين يقتضي إيهاماً لخطأ، فإن أصوات العباد محدثة بلا شك،
(1) / كذا فيما وجدناه في الفتاوى المطبوعة والظاهر أن الصواب (غير مخلوق) ليتفق مع نسق الكلام ومع ما ذكره في غير هذا المقام
(2) / كذا في الفتاوى والصواب أبو داود