الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٥٣أن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا لينفوا صفة المخلوقية عن شيء غير الله سبحانه مع هذه النصوص القرآنية القاطعة بأن الله خالق كل شيء، ومع إجماع العقلاء أن ما لم يكن قديماً فهو حادث، وأن كل حادث لا بد له من محدث أحدثه، أي أخرجه من العدم إلى الوجود، وهذا هو عين الخلق.
وبالجملة فإنك إذا استقريت ما كتبوه في هذه المسألة وجدتهم يقعون على ما منه يحذرون، ويعذلون على ما فيه يعذرون.
وهذا قليل من كثير من الاضطراب الذي وقع فيه القائلون بقِدم القرآن وغيره من كلام الله المنزل على أنبيائه ورسله. ولم أرد به إلا التنبيه، ومن أراد استقصاء ذلك فليرجع إلى مؤلفات أصحاب هذا القول كفتاوى ابن تيمية المجلد الثاني عشر، الذي بلغت صفحاته ستمائة صفحة، لا تكاد تنتقل منها من موضوع إلى غيره حتى تشاهد من تناقض كلامه ما يكفيك حجة ودليلا على أن القاعدة التي أسسوا عليها هذا المعتقد متداعية من أسسها، وما كان أغناهم عن الدخول في هذه المتاهات، لو أنهم اقتصروا على ما درج عليه السلف من القول السليم في القرآن والخلق، وهو أن القرآن كتاب الله ووحيه وتنزيله، وأن كل ما سوى الله مخلوق، وإذا لم يكن بدّ من تجاوز هذا الإجمال إلى التفصيل فالواجب يحتم أن يكون الأصل الذي يرجع إليه ما دل عليه صريح الكتاب العزيز والسنة الصحيحة مما ستقف عليه إن شاء الله في آخر فصل من هذا المبحث، لا أن يعوَّل على قول أحد بعينه، ويجعل هو مدار الاحتجاج فإن كلا يخطئ ويصيب، ولا يجوز اتباع أحد بدون دليل إلا من كان قوله نفسه دليلاً، وهو المحفوف بالعصمة الذي وصفه العلي الأعلى بقوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم، أما من عداه فكل منهم - وإن علا قدره وارتفع شأوه - راد ومردود عليه وآخذ ومأخوذ عليه.