الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثاني في تضارب أقوال القائلين بقِدَمِ القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

وقوله: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) الآية 2 من سورة الفرقان، فإن هذا النفي يستلزم إما إنكار وجود ما نفى خلقه رأساً، وهذا عين اعتقاد الذين قالوا: (ما أنزل الله على بشر من شيء) الآية 91 من سورة الأنعام، وإما إنكار هذه النصوص كما سيأتي بيانه إن شاء الله في الفصل الرابع من هذا المبحث.

وقد يتبادر أن الخلاف بيننا وبينهم لا يعدو أن يكون لفظيا، ما داموا يعترفون بحدوثه، وإنما أمسكوا عن القول بخلقه الذي أقدمنا عليه.

والجواب يمكن أن يكون كذلك لو أنهم اكتفوا بالإمساك ولم يظللوا أو يكفِّروا من أطلق القول بموجب ما أفادته نصوص القرآن المشار إليها، أما مع ما صدر منهم من تكفير وتبديع وتضليل أُولي البصائر الذين لم يجترئوا على الدخول في هذه المداخل، ولم يقدموا على سلوك هذه المسالك، إلا ببينة من نصوص القرآن التي بصَّرتهم بمواطئ الأقدام، وصانتهم عن مزالق الأفهام، فلا وجه لاعتبار الخلق لفظيا، على أن منع ما صرَّح به القرآن لا وجه له، لأن القرآن حجة في التعبير، كما أنه حجة في التعبد، وإن كنا نقنَع في القضية باعتقاد أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، وأن ما عدا الله مخلوق ولو لم يُخص القرآن باعتقاد خلقه لاندراجه في العموم، وهذا الذي مضى عليه السلف من الصحابة فمن بعدهم قبل نشوب فتنة الخلاف في القضية، وعليه مضى المتقدمون السَّابقون من علماء عُمَان كما سبق، وقد صرَّح ابن تيمية نفسه فيما مضى أنه لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين بقِدمه46 (1).

وإذا كانوا لم يقولوا بقِدمه فمن أين لهم أنهم قالوا بنفي خلقه؟ مع أن هذه القضية لم يُثَرْ بحثها إلاّ بعد انطواء عصورهم؟ ومن المعلوم قطعاً

(1) / المرجع السابق ص301

١٥٢ / ٢٣٩