الفصل الثالث أدلة النافين لخلق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٥٥بين الخلق والأمر دليل على فساد قول من قال بخلق القرآن، إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقاً لكان قد قال ألا له الخلق والخلق وذلك غث من الكلام، ومستغث ومستهجن، روى ذلك عن ابن عيينة، وذكره غير واحد من المفسرين منهم ابن أبي حاتم والقرطبي والقاسمي.
وفساد قولهم هذا أبين من أن يحتاج إلى بيان، فقد استدلوا بغير دليل، وتعلقوا بغير متعلق، وهو إن دل على شيء فلا يدل إلا على الإفلاس من الحجة، والحيرة عن الحقيقة، وإنني لفي شك مريب في صحة نسبة هذا الاستدلال إلى ابن عيينة مع رسوخ قدمه في العلم، وطول باعه في الفهم، فقد اشتهر بين أقرانه بحسن الرواية وعمق الدراية، ولئن كان ذلك ثابتاً عنه فهي عثرة لا لعا بعدها، وكبوة لا ثورة بعدها، كيف وهو استدلال منتقض بنيانه، متداعية أركانه من وجوه شتى:
أن سياق هذا الكلام غير خارج عن القول في انفراد الله تعالى بإيجاد الحادثات وتصريفها وفق مشيئته، فإن نص الآية كلها (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الآية 54 من سورة الأعراف، وغاية ما تدل عليه أن الله سبحانه وتعالى كما انفرد بإيجاد الكون من العدم فهو منفرد بتصريفه، لا مشارك له في خلقه ولا في تدبيره، إذ ليس لأحد غيره شيء من الخلق أو التدبير، بل له تعالى وحده الخلق والأمر، والمراد به هنا التدبير كما هو واضح، وليس في ذلك ما يشير إلى قِدم القرآن أو حدوثه ولو من بعيد
أولها
أن العطف لا يقتضي التغاير من كل وجه، بل يكفي فيه أن يكون التغاير اعتبارياًّ كتغاير الخصوص والعموم، والإطلاق والتقييد، وتغاير الصفات مع وحدة الموصوف، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: