الفصل الرابع أدلة القائلين بخلق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٧٤وقد وقع الاجتماع منا ومنهم أن ما في الدنيا وما نقرأ من القرآن هو مثال مما قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي قراءته وقرأناه على الموافقة له، ولو كان خلافه كما قالوا من أن الحكاية غير المحكي لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى بخلاف ما أتى به جبريل عليه السلام، وكذلك جبريل فيما أتى به ميكائيل وكذلك ميكائيل عن إسرافيل، فيكون كل واحد منهم قد أتى بخلاف ما أتى به غيره.
وإذا قلت إن الحكاية خلاف المحكي فما نقول فيما نقله محمد عن جبريل؟ هذا هو هذا؟ أم هذا غير هذا؟ فلا بد من هذا هو هذا، أو هذا مثل هذا، فكيف يجوز في الشيء مالا يجوز في مثله؟ أم لا يجوز في الشيء ما جاز في مثله، وأي تناقض أعظم وأفحش من هذا؟ نعوذ بالله من العمى والخذلان، ونسأله العون والتوفيق) (1).
وأما الثاني
-5
قوله تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لَّدن حكيم خبير) الآية 1 من سورة هود، ووجه الاستدلال به أن الله وصفه فيه بالإحكام والتفصيل، وكل منهما أثر صادر عن مؤثر، ولا يجوز أن يكون الأثر قديماً أزلياًّ لضرورة أن يكون مؤثره سابقاً عليه، والمسبوق حادث لأنه - بداهة - كائن بعد أن لم يكن. ولا يخلو هذا القرآن إما أن تكون كينونته مقرونة بالأحكام والتفصيل من أول أمره، وإما أن يكونا وصفين أوجدهما الله فيه بعد أن كان عارياً منهما، وكلا الاحتمالين مقتضٍ لخلقه وحدوثه.
أما الأول فلكون وجود الشيء مقترناً بوصف حادث من أول أمره دليلاً على حدوثه، وبما أن الإحكام والتفصيل فعلان صادران عن الله سبحانه فلا مرية في حدوثهما، وإلا لما جاز إسنادهما إليه عز وجل. وعليه فليس إحكامُه وتفصيله إلا بمعنى إيجاده محكماً ومفصلاً.
(1) المرجع السابق ص 189 و 190