التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

فلمَّا فصلَ طالوتُ بالجنودِ} قيل: سألوا أن يُجري لهم نهرا، ﴿قال: إِنَّ الله مُبتلِيكُم بِنَهر﴾ مُختبركم بنهر، أي: يعاملكم معاملة المختبر له، ليتميَّز المحقِّقُ في الجهاد مِن المُعذِّر؛ ﴿فمن شَرِب مِنه﴾ كَرعًا (1)، ﴿فليس منِّي﴾ فليس من أتباعي وأشياعي وأهل ديني، ﴿ومَن لَم يَطعمه﴾ لم يذُقه، مِن طَعم الشيء إذا ذاقه، ﴿فإنَّه منِّي إِلاَّ مَن اغترف غُرفةً بيده﴾ معناه: الرُّخصة في اغترف الغُرفة باليد دون الكرع، والدَّليل عليه: ﴿فشربوا منه﴾ أي: فكَرَعوا ﴿إِلاَّ قليلا مِنهم﴾، روي: أنَّ مَن اقتصر على الغُرفة كفَته كشَربة وأروته، ومَن لم يقتصر عليه عطشه، واسودَّ شفته (2)، ولم يقدر أن يمضي، وهكذا الدنيا لما صد الأجرة (3). ﴿فلمَّا جاوزه هو والذِينَ آمَنُوا معه قالوا: لا طاقةَ لَنَا اليومَ بجالوت﴾ هو جبَّار، ﴿وجنودِه، قال الذِينَ يظنُّون أنَّهم مُلاقوا الله﴾ يوقنون بثواب الشَّهادة، ﴿كَم مِن فئة قليلة غَلَبت فئة كثيرة بإذنِ الله والله مع الصابرين (249)﴾ إيقانا بوعد الله إيَّاهم.

﴿وَلَمَّا برزوا لجالوتَ وجُنوده قَالوا: ربَّنا﴾ أي: قال الذِينَ يظنُّون أنَّهم مُلاقوا الله ﴿أفرِغ علينا صَبرا وثبِّت أقدَامَنا﴾ لتقوية قلوبنا، وإلقاء الرُّعب في صُدور عدوِّنا، ﴿وانصرنَا علَى القَوم الكَافرين (250)﴾ وذلك قالوا ببراء (4) منهم مِن الحول والقوَّة.

{

(1) - … كَرَعَ في الماء، يكرَع، كُروعًا وكَرْعًا: تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء؛ وفي الحديث: «إِن كان عندك ماء بات في شنِّه، وَإِلاَّ كَرَعنَا». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 245.

(2) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومن لم يقتصر عَلَيها عطَّشته، واسودَّت شفتُه».

(3) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لمَّا تصدُّ عن الآخرة».

(4) - … كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «بِتَرائي الحول والقوَّة منهم».

١٢٣ / ١٬٥٨٨