التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة النساء

الجزء ١ · صفحة ٢٨٢

لن يستنكف المسيح} أي: لم يأنف ولن يتعظَّم، والاستنكاف: التكبُّر مَعَ الأنفة، ﴿أن يكون عبدًا لله وَلاَ المَلاَئِكَة المقرَّبون﴾ أي: الكروبيُّون الذِينَ حول العرش، كجبريل ومكائيل وإسرافيل ومن فيِ طبقتهم، وَالمَعنَى: والمَلاَئِكَة المقرَّبون أن يكونوا عبادا لله. واختلف فيِ الأفضل مِنَ المَلاَئِكَة والمؤمنين مِنَ البشر؛ فقيل: المَلاَئِكَة، لأَنَّهُم لاَ يعصون الله أبدا، وقيل: المؤمنون مِنَ البشر أفضل، لأَنَّهُم تعبّدوا بقهر البواعث النفسانيَّة، والدواعي الجسدانيَّة، فكانت طاعتهم أشقَّ لكونها مَعَ الصوارف، بخلاف طاعة المَلاَئِكَة، لأنَّهم جُبلوا عليها، فكانت أزيد ثوابا، ولقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هم خير البريَّة﴾ (1)، والمَلاَئِكَة مِنَ البريَّة؛ وقيل: إنَّ خواصَّ البشر وَهُم الأنبياء عَلَيْهِم الصلاة [والسلام] والرسل أفضل من خواصِّ المَلاَئِكَة، وَهُم الرسل، كجبريل وميكائيل وعزرائيل (2) ونحوهم؛ وخواصُّ المَلاَئِكَة أفضل من عوامِّ المؤمنين مِنَ البشر؛ وعوامُّ المؤمنين مِنَ البشر أفضل من عوامِّ المَلاَئِكَة. ﴿ومن يستنكفْ عَن عبادته ويستكبرْ﴾ والاستكبار دون الاستنكاف، ﴿فسيحشرُهم إِلَيْهِ جميعا (172)﴾، فيجازيهم عَلَى استنكافهم واستكبارهم.

﴿فَأمَّا الذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات فيوفِّيهم أجورهم﴾ فيِ الدارين، ﴿ويزيدهم من فضله، وَأَمَّا الذِينَ استنكفوا واستكبروا فيعذِّبهم عذابا أليما﴾ فيِ الدارين، ﴿وَلاَ يجدون لَهُم من دون الله وليًّا وَلاَ نصيرا (173)﴾ ينصرهم من عذابه.

﴿يَا أَيُّهَا الناس قد جاءكم برهان من ربِّكم﴾ أي: رسول يُبهِر المُنكِر بالإعجاز، ﴿وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174)﴾ قرآنا يُستضَاء بِهِ فيِ ظلمات الحيرة.

{

(1) - … سورة الْبَيِّنَة: 7.

(2) - … في الأصل: «عزائل»، وهو خطأ.

٢٨٢ / ١٬٥٨٨