التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة المائدة

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

ونسوا حظًّا} والمعنى: أنَّهم حرَّفوا التَّوْرَاة، وتركوا حظَّهم مِمَّا أُنزل عَلَيْهِم فِيهَا، فلم يتأوَّلوه عَلَى تأويله، فتركوه ولم ينالوه، يعني: أَنَّ إعراضهم عَن التَّوْرَاة إغفال حظٍّ عظيم. ﴿مِمَّا ذُكِّروا بِهِ﴾ أو تركوا نصيب أنفسهم، مِمَّا أمروا بِهِ مِنَ الإيمان بمحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وبعثته. ﴿وَلاَ تزال تطلَّع عَلَى خائنة مِنْهُمْ﴾ أَي: عادة الخلق الخيانة وقلَّة الوفاء بما تعبَّدهم الله بِهِ، ومعاملتهم لبعضهم بعض، فلا ينبغي أن يستنكر ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لأَنَّهُ من طبعهم، والوفاء مِنْهُمْ نادر قليل. ﴿إلاَّ قليلا مِنْهُمْ﴾ وَهُم الذِينَ آمنوا مِنْهُم، ﴿فاعفُ عَنْهُمْ (1) واصفح﴾ وَلاَ تخن مثل مَا خانوا، وأحسن إِلَيْهِم بفعل مَا أمرك بِهِ فِيهِمْ. ﴿إنَّ الله يحبُّ المحسنِينَ (13)﴾.

﴿ومن الذِينَ قَالُوا إِنَّا نصارى أَخَذنا ميثاقهم﴾ هُوَ الإيمان بالله والرسل وَمَا جاءوا بِهِ؛ ﴿فنسوا حظًّا مِمَّا ذُكِّروا بِهِ﴾ أَي: تركوا حظَّهم [122] الوافر الباقي، باشتغالهم بالفاني الناقص، ﴿فأغرينا﴾ فألصقنا وألزمنا، من غَرَى بالشيء، إِذَا لزمه ولصق بِهِ، ومِنْهُ الغِراء الذِي يلصق بِهِ، ﴿بَيْنَهُمْ﴾ فرق النصارى المختلفين ﴿العداوةَ والبغضاءَ إِلىَ يوم القيامة﴾ بالأهواء المختلفة، والجدل فيِ الدين؛ فكلُّ فرقة تكفِّر الأخرى، ﴿وسوف ينبِّئهم الله بِمَا كَانُوا يصنعُونَ (14)﴾ (2) عند الموت، أو في القيامة بالجزاء والعقاب.

{

(1) - … هنا إحالة إِلىَ الحاشية كُتب فيها: «يحتمل».

(2) - … في الأصل: «يصعنون»، وَهُوَ خطأ.

٢٩٣ / ١٬٥٨٨