سورة المائدة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤إِنَّا أنزلنا التَّوْرَاة فِيهَا هدى ونورٌ} يُبَيِّنُ مَا استُبهم مِنَ الأحكام، ﴿يحكم بها النبيُّون الذِينَ أسلموا﴾ أَي: أسلموا، أو انقادوا لحكم الله وَمَا أنزل في التَّورَاة، ﴿للذين هادوا﴾ تابوا مِنَ الكفر، ﴿والربَّانيون والأحبارُ﴾ أَي: العلماءُ والزهَّاد السالكون طريقة أنبيائهم، فسُمِّى العالم حبرا لما عليه من حال العلم، وبهائه وأماراته ودلائله. ﴿بِمَا استُحفِظوا﴾ استُودعوا ﴿من كِتَاب الله﴾، الضمير فيِ «استحفظوا» للأنبياء، والربَّانيِّين والأحبار جميعا؛ والاستحفاظ مِنَ الله، أَي: كلَّفهم الله حفظه، أو بسبب أمر الله إيَّاهم بِأَن يحافظوا (1) كتابه مِنَ التضييع والتحريف، أو للربَّانيين والأحبار، والاستحفاظ مِنَ الأنبياء. ﴿وكَانُوا عليه (2) شهداء﴾ أنَّهُ كذلك، وقيل: أنَّهُ رقباء عَن التبديل فِيهِ.
﴿فلا تخشوا الناسَ﴾ نهيٌ للحكَّام عَن خشيتهم غير الله فيِ حكوماتهم، وإمضائها عَلَى خلاف مَا أُمروا بِهِ مِنَ العدل، لخشية سلطان ظالم، أو خيفة أَذِيَّةَ (3) أحدٍ، ﴿واخشون﴾ فيِ مخالفة أمري، ﴿وَلاَ تشتروا بِآيَاتِي﴾ ولاتستبدلوا بِآيَاتِ الله وأحكامه ﴿ثمنا قليلا﴾ وَهُوَ الرشوة، وابتغاء الجاه، والخوف مِنَ الخلق ورضاهم. ﴿ومن لم يحكم بِمَا أنزل الله﴾ مستهينا بِهِ، أو منكِرا لَهُ، أو مستبدِلا بِهِ. ﴿فأولئك همُ الْكَافِرُونَ (44)﴾ فكلُّ من لم يحكم بِمَا أنزل الله، ولم يرض بحكم الله، فهو كافر ظالم فاسق.
{
(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يحفظوا».
(2) - … في الأصل: - «عليه».
(3) - … أذيَّة مصدر آذى، في اللسان: «آذاه يؤذيه أذًى وأذاةً وأذيَّة، وتأذَّيتُ به». ابن منظور: لسان العرب، مادَّة «أذي».