سورة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥وَمَا تأتيهم من آية من آيات ربِّهم} وَمَا يظهر لَهُم دليل قطُّ مِنَ الأدلَّة التِي يجب فِيهَا النظر والاعتبار؛ ﴿إلاَّ كَانُوا عنها معرضِينَ (4)﴾ تاركين للنَّظر لاَ يلتفتون إِلَيْهِ (لعلَّه) خوفهم وتدبُّرهم فيِ العواقب.
﴿فقد كذَّبوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءهم﴾ أَي: بِمَا هُوَ أعظم آية وأكبرها وَهُوَ القرآن؛ ﴿فسوف يأتيهم أنباء مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ (5)﴾ أَي: أنباء الشيء الذي كَانُوا بِهِ يستهزئون، وَهُوَ القرآن، أَي: أخباره وأحواله، يعني: سيعلمون بأيِّ شيء استهزؤوا، وذلك عند خروج أرواحهم، أو يوم القيامة، ﴿ألم يروا﴾ يعني: المكذِّبين ﴿كم أهلكنا من قبلهم من قرن﴾ هُوَ مدَّة انقضاء كُلِّ أهل عصر، ﴿مكَّنَّاهم فيِ الأَرْض مَا لم نمكِّن لكم﴾ التمكين: التمليك، أَي: لم يعطوا كما أُعطي من تقدَّم، مِنَ البسطة فيِ الأجسام، والسعة فيِ الأموال، والاستظهار بأسباب الدُّنيَا، ﴿وأرسلنا السَّمَاء عَلَيْهِم مدرارا، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم﴾ أَي: عاشوا فيِ الخصب بين الأنهار والثمار، وسقنا الغيث المدرار ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ ولم يغن ذَلِكَ عَنْهُم شَيْئًا، لأنَّهم لم يريدوا بِهِ الله؛ ﴿وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرِينَ (6)﴾ وخلقنا من بعد هلاكهم أمَّة أُخْرَى، وفيه دلالة عَلَى أنَّه سبحانه لاَ يتعاظمه أن ينفيَ عالَما، ويُنشئَ عالما آخر، كقوله: ﴿فَلاَ يخاف عقباها﴾ (1)، ﴿ولو نزَّلنا عليك كِتَابًا فيِ قرطاس﴾ كِتَابا من عند الله، ﴿فلمسوه بأيديهم﴾ أَي: عاينوه ومسُّوه بأيديهم، وذكر اللمس [139] ولم يذكر المعاينة، لأَنَّ اللَّمس أبلغ في إيقاع العلم مِنَ الرؤية، (لَعَلَّهُ) فالسحر يجري عَلَى المرئيِّ، وَلاَ يجري عَلَى الملموس بأيديهم. {
(1) - … سورة الشمس: 15.