التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الأنعام

الجزء ١ · صفحة ٣٣٦

لقال الذِينَ كَفَرُوا: إن هَذَا إِلاَّ سحر مُبِين(7)} تعنُّتا وعنادًا للحقِّ بعد ظهوره لأنَّ نور البصيرة أعماها ملازمة الهوى؛ فلم يستطيعوا أن يبصروا بها الحقَّ.

﴿وَقَالُوا: لولا﴾ هلاَّ ﴿أنزل عليه مَلَك؟ ولو أنزلنا ملَكا لقُضيَ الأمرُ﴾ لقضي أمر إهلاكهم، لأنَّهم لاَ يتَّبعون الحقَّ، ولو أُنزل عَلَيْهِم ملك، ﴿ثمَّ لاَ يُنظرُونَ(8)﴾ لاَ يُمهلون بعد نزوله طرفة عين، لأنَّهم لاَ يُؤمِنُونَ عند مشاهدة تلك الآية التِي لاَ شيء أَبين منها؛ فتقتضي الحكمة استئصالهم.

﴿ولو جعلناه ملَكا﴾ ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا؛ لأنَّهم كَانُوا تارة يقولون: «لولا أنزل عَلَى محمَّد ملك»؛ وتارة يقولون: «مَا هَذَا إِلاَّ بشر مثلكم، ولو شاء رَبُّنَا لأنزل مَلاَئِكَة» ﴿لَجَعَلناه رجلاً﴾، لأرسلناه فيِ صورة رجل، كما كَانَ يَنزل جبريل عَلَى رسول الله عليهما السلام، ﴿ولَلَبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسون﴾، لأشكلنا عَلَيْهِم من أمره؛ فيقولون إذا رأوا المَلك فيِ صورة إنسان: هَذَا إنسان وليس بملك، كما قَالُوا حين رأوا الآيات البَيِّنَات: إن هَذَا إِلاَّ سحر مبين؛ يقال: لَبَسْتُ الأمر عَلَى القوم، ألبَسه إِذَا شبَّهته عَلَيْهِم، وأشكلته عليهم، فصار الأمركالمغرى عليهم، كأنَّه استوى حجاب عَن عين صورته. يروى عَن ابن عبَّاس قَالَ: «فرَّقوا دينهم، وحرَّفوا الكلم عَن مواضعه، فلبس الله عَلَيهِم كما لبسوا عَلَى أنفسهم»، قَالَ غيره: «وتلبيسه عَلَى أنفسهم (لَعَلَّهُ) هُوَ عين التلبيس مِنَ الله لَهُم، لأَنَّهُم فيِ الحقيقة لاَ فاعل إِلاَّ الله».

﴿وَلَقَد استهزئ برسل من قبلك﴾ كما استهزئ بك يا محمَّد، تعزية لَهُ، ﴿فحاق﴾ فأحاط ﴿بالذين سخروا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ(10)﴾ فأحاط بهم الشيء الذِي كَانُوا يستهزئون، به وَهُوَ الحقُّ، حيث أُهلكوا من أجل الاستهزاء بِهِ.

{

٣٣٦ / ١٬٥٨٨