أن وإن الخفيفتين
الجزء ١ · صفحة ١٣٠فإن ذلك غير جائز؛ لأنك تريد التقديم والتأخير، فيكون على قولك: إنك منطلق اليوم وإنك لا تؤذي لك على. وإن رحلتك يوم الجمعة. وإنما فسد لأن إن لا يصلح فيها التقديم والتأخير، كما لم يصلح ذلك فيما تعمل فيه من الأسماء إذا كانت مكسورة. فإذا كانت مفتوحة جاز فيها التقديم والتأخير، أعني تقديم الخبر وتأخيره، لأنها موضوعة موضع المصدر.
و تقول: أما يوم الجمعة فإنك مرتحل؛ لأن معنى أما: مهما يكن من شيءٍ فإنك مرتحل يوم الجمعة. فما بعد الفاء يقع مبتدأ، ألا ترى أنك تقول: أما زيداً فضربت، فإنما هو على التقديم والتأخير. لا يكون إلا ذلك، لأن المعنى: مهما يكن من شيء فزيداً ضربت، أو فضربت زيداً.
و لو قال قائل: أما يوم الجمعة فإنك مرتحل لجاز، فيكون التقدير: مهما يكن من شيء ففي يوم الجمعة رحلتك. فهذا تقدير ما يقع في أما.
و الدليل على أنها في معنى الجزاء لزوم الفاء لجوابها، نحو: أما زيد فمنطلق، " فأما اليتيم فلا تقهر " ، " و أما ثمود فهديناهم " و " أما من استغنى. فأنت له تصدى " فالمعنى: مهما يكن من شيء فهذا الأمر فيه. فإنما تقديرها في الكلام كله التقديم والتأخير، لا يكون إلا على ذلك.
هذا باب
من أبواب أن مكررةً
و ذلك قولك: قد علمت أن زيداً إذا أتاك أنه سيكرمك، وذلك أنك قد أردت: قد علمت أن زيداً إذا أتاك سيكرمك، فكررت الثانية توكيداً، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى. فمن ذلك قوله عز وجل: " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون " فهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية، وقد قيل فيها غير هذا. ونحن ذاكروه في آخر الباب إن شاء الله.
و نظير تكرير أن هاهنا قوله تبارك وتعالى: " و هم بالآخرة هم كافرون " وقوله عز وجل: " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها " . وكذلك قوله عز وجل: " و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها " .
و من هذا الباب عندنا وهو قول أبي عمر الجرمي " ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم " . فالتقدير: والله أعلم فله نار جهنم، وردت أن توكيداً. وإن كسرها كاسر جعلها مبتدأة بعد الفاء؛ لأن ما بعد فاء المجازاة ابتداء، كقوله عز وجل: " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " ف إن في هذا الموضع يجوز أن تكون الأولى التي وقعت بعد الحكاية كررت، ويجوز أن تكون وقعت مبتدأة بعد الفاء، كقولك: من يأتني فإني سأكرمه.
و أما أبو الحسن الأخفش فقال في قوله تبارك وتعالى: " ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم " قال: المعنى: فوجوب النار له، ثم وضع أن في موضع المصدر.
فهذا قول ليس بالقوي، لأنه يفتحها مبتدأة، ويضمر الخبر.
و كذلك قال في قوله: " كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفورٌ رحيمٌ " ، أي فوجوب الرحمة له.
و القول فيه عندنا التكرير على ما ذكرت لك.
فأما ما قيل في الآية التي ذكرنا قبل سوى القول الذي اخترناه وهي " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون " فأن يكون " أنكم مخرجون " مرتفعاً بالظرف. كأنه في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. فهذا قول حسن جميل.
و أما سيبويه فكان يقول: المعنى: أن يعد وقعت على أن الثانية وذكر أن الأولى ليعلم بعد أي شيءٍ يكون الإخراج؟.
و هذا قول ليس بالقوي.
هذا باب
أن وإن الخفيفتين
اعلم أن أن تكون في الكلام على أربعة أوجه: فوجه: أن تكون هي والفعل الذي تنصبه مصدراً؛ نحو قولك: أريد أن تقوم يا فتى؛ أي: أريد قيامك، وأرجو أن تذهب يا فتى، أي: أرجو ذهابك. فمن ذلك قول الله: " و أن تصوموا خيرٌ لكم " أي والصيام خير لكم. ومثله: " و أن يستعففن خيرٌ لهن " .
و وجه آخر: أن تكون مخففة من الثقيلة. وذلك قوله عز وجل: " و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " . لو نصبت بها وهي مخففة لجاز. فإذا رفعت ما بعدها فعلى حذف التثقيل والمضمر في النية، فكأنه قال: إنه الحمد لله رب العالمين. وقد مضى تفسير هذا في موضع عملها خفيفةً.
و الوجه الثالث أن تكون في معنى أي التي تقع للعبارة والتفسير، وذلك قوله عز وجل: " و انطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم " . ومثله: بينت له الحديث أن قد كان كذا وكذا. تريد: أي امشوا، وأي قد كان كذا وكذا.