المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

وما بال النون في كل ما دخلت فيه يجوز حذفها واستعمالها

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

فمن تلك الأسماء قولك: لعمرك لأفعلن، وعلي عهد الله لأفعلن، وعلي يمين الله لأفعلن. فهذا مثل قولك: على زيدٍ درهمان، ولزيد أفضل من عمرو؛ لأنه إنما وقع قسماً لقوله. لعمر الله ما أقسم به. وإذا قلت: علي عهد الله فقد أعطيته عهدك بما ضمنته له. وبعض العرب ينشد هذا البيت، فيرفع القسم، فيقول:

فقلت يمين الله أبرح قاعداً … و لو ضربوا رأسي لديك وأوصالي

يريد: يمين الله علي.

و اعلم أن المصادر وما يجري مجراها إنما تقع في القسم منصوبةً بأفعالها؛ لأن فيها المعاني التي وصفنا. وذلك قولك: عمرك الله لا تقم، وقعدك الله لا تقم. وإن شئت قلت: قعيدك الله، وكذلك: يمين الله وعهده.

و إن شئت كان على قولك: بيمين الله وما أشبهه، فلما حذفت حرف الإضافة وصل الفعل، فعمل على ما وصفناه في أول الباب وكذلك ويمين الله.

و إن شئت كان على قولك: عمرتك الله تعميراً، ونشدتك الله نشداً، ثم وضعت عمرك في موضع التعمير. وكذلك أخواته. قال الشاعر:

عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا … هل كنت جارتنا أيام ذي سلم

يريد: ذكرتك الله. وقال الآخر:

عمرتك الله العلي فإنني … ألوي عليك لوان لبك يهتدي

و لذلك جعل المصدر في موضعه فقال:

أيها المنكح الثريا سهيلاً … عمرك الله كيف يلتقيان؟

و قال الآخر:

قعيدك أن لا تسمعيني ملامةً … و لا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا

فكل ما كان من ابتداء أو خبر أو فعل وفاعل فيه معنى القسم فهذا مجازه.

و اعلم أن من هذه الحروف ايم، وايمن وألفها ألف وصل، وتمام الاسم النون تقول ايم الله لأفعلن. ايمن الله لأفعلن.

و ليس بجمع يمين. ولكنه اسم موضوع للقسم. ولو كان جمع يمين لكانت ألفه ألف قطع. فوصلهم إياها يدلك على أنها زائدة، وأنه ليست من هذا الاشتقاق. وقال الشاعر:

فقال فريق القوم لما نشدتهم: … نعم، وفريقٌ: ليمن الله ما ندري

فمن قال: ايم الله قال: ليم الله لأفعلن. فإن وقع عليها ألف الاستفهام مددت، ولم تحذف ألف الوصل فيلتبس الاستفهام بالخبر؛ كما كنت فاعلاً بالألف التي مع اللام في قولك: آلرجل قال ذاك؟. فيقول: آيم الله لقد كان ذاك.

و زعم يونس أن من العرب من يقول: ايم الله في موضع ايم الله فهي عند هؤلاء بمنزلة ابن واسم. تقول في الاستفهام: أيم الله لقد كان ذاك؟ لأنها تسقط للوصل، وتحدث ألف الاستفهام ومنهم من يحذف ألف الاسم حتى يصير على حرف علماً بأنه لا ينفصل بنفسه فيقول: م الله لأفعلن.

و يقال: من الله لأفعلن، ومن ربي لأفعلن. أبدل من من الباء التي في قولك: بالله لأفعلن، وبربي لأفعلن؛ كما تقول: فلان في الموضع وبالموضع فيدخل الباء على في، وكذلك دخلت من على الباء، والاحتجاج يأتيك في موضعه إن شاء الله.

و اعلم أنك إذا دللت على القسم بما تضعه في موضعه، فما بعد ذلك الدليل بمنزلة ما بعد القسم.تقول: أقسمت لأقومن، واستحلفته ليخرجن، أي قال له: والله لتخرجن، فدل هذا على القسم.

و لا يلحق هذه اللام ما النون في آخره خفيفةً أو ثقيلةً إلا والمعنى معنى القسم . لا تقول: زيد يقومن، ولا زيد ليقومن إلا أن تريد القسم في هذه الأخيرة خاصةً، فكأنك قلت: زيد والله ليقومن.و تفسير هذا في إثر هذا الباب إن شاء الله.

و تقول: إي والله لأفعلن. وإن شئت قلت: إي الله لأفعلن، إنما تريد: إي التي في معنى نعم؛ كما قال: " قل إي وربي إنه لحقٌ وما أنتم بمعجزين " . فتصل المقسم به؛ لأن إي جواب، والقسم بعدها مستأنف. ولو كانت بدلاً من حروف القسم لم تجتمع هي وهو؛ ألا ترى أنك تقول: إي والله لأفعلن.

و إنما الفصل بين بلى ونعم أن نعم تكون جواباً لكل كلام لا نفي فيه، وبلى لا تكون جواباً إلا لكلام فيه نفي.

لو قال لك قائل: أنت زيد؟ لكان الجواب نعم. وكذلك هل جاءك زيد؟ وكذلك من يأتك تأته فتقول: نعم، ولا يصح هاهنا بلى.

فإن نفى فقال: أما لقيت زيداً؟ كان الجواب: بلى. وكذلك:ألست قد ذهبت إلى زيد؟ وما أخذت منه درهماً؟ وأنت لا تعطي شيئاً.فجواب هذا كله بلى.

هذا باب

ما يقسم عليه من الأفعال

وما بال النون في كل ما دخلت فيه يجوز حذفها واستعمالها

لا في هذا الموضع الذي أذكره لك فإنه لا يجوز حذفها؟

١٢٥ / ٢٨٤