من أبواب أن المفتوحة
الجزء ١ · صفحة ١٢٧و اعلم أن القسم قد يؤكد بما يصدق الخبر قبل ذكر المقسم عليه، ثم يذكر ما يقع عليه القسم. فمن ذلك قوله عز وجل: " و السماء ذات البروج، واليوم الموعود. وشاهدٍ ومشهود " ثم ذكر قصة أصحاب الأخدود توكيداً.
و إنما وقع القسم على قوله: " إن بطش ربك لشديدٌ " وقد قال قوم: إنما وقع على " قتل أصحاب الأخدود " ، وحذفت اللام لطول الكلام. وليس القول عندنا إلا الأول؛ لأن هذه الاعتراضات توكيد.
فأما قوله: " والشمس وضحاها " فإنما وقع القسم على قوله: " قد أفلح من زكاها " وحذفت اللام لطول القصة، لأن الكلام إذا طال كان الحذف أجمل.
ألا ترى أن النحويين لا يقولون: قام هند، وذهب جاريتك، ويجيزون: حضر القاضي اليوم امرأةٌ يا فتى، فيجيزون الحذف مع طول الكلام؛ لأنهم يرون ما زاد عوضاً مما حذف.
وتقول: وحق الله ثم حقك لأفعلن ثم حقك تحمله على الموضع، كان جائزاً كما قال:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
و على هذا قرئ " فأصدق وأكن من الصالحين " ؛ لأنه حمله على موضع الفاء.
و تقول: والله لأضربنك، ثم والله لأحبسنك؛ لأنك عطفت قسماً على قسم.
و لو قلت: والله لأضربنك ثم لأحبسنك الله، لم يكن في الثاني إلا النصب؛ لأنك عطفت فعلاً على فعل، ثم جئت بالقسم بعد غير معطوف. كأنك قلت: الله لأفعلن، فأوصلت إليه الفعل.
فهذه جملة هذا الباب.
هذا باب
الفرق بين إن وأن
اعلم أن إن مكسورةً مشبهةٌ بالفعل بلفظها، فعملها عمل الفعل المتعدي إلى مفعول وقد مضى تفسيرها في بابها.
فإذا قلت: أن مفتوحةً فهي وصلتها في موضع المصدر.و لا تكون إلا في موضع الأسماء دون الأفعال؛ لأنها مصدر، والمصدر إنما هو اسم. وذلك قولك: بلغني انطلاقك، وتقول: علمت أنك منطلق، أي: علمت انطلاقك. وكذلك أشهد أنك منطلق، وأشهد بأنك قائم، أي: أشهد على انطلاقك وبقيامك. فهذا جملة هذا.
واعلم أنك إذا قلت: ظننت زيداً أخاك، أو علمت زيداً ذا مال أنه لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول لأن الشك والعلم إنما وقعا في الثاني، ولم يكن بد من ذكر الأول ليعلم من الذي علم هذا منه أو شك فيه من أمره؟.
فإذا قلت: ظننت زيداً فأنت لم تشك في ذاته، فإذا قلت: منطلقاً ففيه وقع الشك، فذكرت زيداً؛ لتعلم أنك إنما شككت في انطلاقه لا في انطلاق غيره.
فإذا قلت: ظننت أن زيداً منطلق. لم تحتج إلى مفعول ثانٍ؛ لأنك قد أتيت بذكر زيد في الصلة؛ لأن المعنى: ظننت انطلاقاً من زيد؛ فلذلك استغنيت.
هذا باب
من أبواب أن المفتوحة
تقول: قصة زيد: أنه منطلق، وخبر زيد: أنه يحب عبد الله؛ لأن هذا موضع ابتداء وخبر، فالتقدير: خبر زيد محبته عبد الله، وبلغنني أمرك أنك تحب الخير، فالمعنى معنى البدل كأنك قلت: بلغني أمرك، ثم قلت: محبتك الخير؛ لأن المحبة هي الأمر، كما تقول: جاءني أخوك زيد؛ لأن الأخ هو زيد.
و تقول: أشهد أن محمداً رسول الله. فكأن التقدير: أشهد على أن محمداً رسول الله؛ أي: أشهد على ذلك، أو أشهد بأن محمداً رسول الله، أي: أشهد بذلك.
فإذا حذفت حروف الجر وصل الفعل فعمل، وكان حذفها حسناً لطول الصلة؛ كما قال عز وجل: " و اختار موسى قومه " أي: من قومه، فهو مع الصلة والموصول حسنٌ جداً.و إن شئت جئت به؛ كما تقول: الذي ضربت زيدٌ، فتحذف الهاء من الصلة. ويحسن إثباتها؛ لأنها الأصل.
و اعلم أنه لا يحسن أن يلي إن أن؛ لأن المعنى واحد؛ كما لا تقول لئن زيداً منطلق؛ لأن اللام في معنى إن، فإن فصلت بينهما بشيءٍ حسن واستقام، فقلت: إن في الدار لزيداً.
و لا تقول: إن لزيداً في الدار بل تقول كما قال عز وجل: " إن في ذلك لآيةٌ " . وعلى هذا لا تقول: إن أن زيداً منطلق بلغني. ولكن لو قلت: إن في الدار أنك منطلق، وإن في الدار أن لك ثوباً حسن؛ كما قال الله عز وجل: " إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " ويجوز " و إنك لا تظمأ فيها " على القطع، والابتداء.
فالأولى على قولك: ضربت زيداً وعمراً قائماً. والقطع على قولك: ضربت زيداً وعمرو قائم.
هذا باب إن إذا دخلت اللام في خبرها