المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

الظروف وأما إذا اتصلت بشيء منهن أن

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

فقيل لهم: هي لا تتقدم إلا مكسورةٌ، وإنما كانت هاهنا بعد الواو منصوبة لأن المعنى معنى اللام؛ كما تقول: جئتك ابتغاء الخير، فتنصب والمعنى معنى اللام، وكذلك قال الشاعر:

و أغفر عوراء الكريم ادخاره … و أعرض عن شتم اللئيم تكرما

فإذا قلت: جئتك أنك تحب المعروف فالمعنى معنى اللام، فعلى هذا قدمت، وهذا قد مر. فهذا قول الخليل.

و الموضع الآخر للمكسورة: أن تدخل اللام في الخبر. وقد مضى قولنا في هذا، لأن اللام تقطعها مما قبلها، فتكون مبتدأة. فهذا مما ذكرت لك أنها ترجع إلى الابتداء.

و الموضع الثالث: أن تقع بعد القول حكايةً فتكون مبتدأة. كما تقول: قال زيد: عمروٌ منطلقٌ، وقلت: الله أكبر. وقد مضى هذا في باب الحكاية.

فعلى هذا تقول: قال زيد: إن عمراً منطلق، وقال عبد الله: إنك خير منه. من ذلك قوله عز وجل: " قال الله إني منزلها عليكم " . وقال: " و إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك " وقال: " قال يا قوم إني لكم نذيرٌ مبين " .

فأما أتقول التي في معنى الظن فإنها تعمل في إن عملها في الاسم، كما قال:

أجهالاً تقول بني لؤيٍّ … لعمر أبيك أم متجاهلينا

و كما قال:

أما الرحيل فدون بعد غدٍ … فمتى تقول الدار تجمعنا

لأنه يريد الظن. فعلى هذا تقول: متى تقول أن زيداً منطلق، وأتقول أن عمراً خارج.

فإن لم ترد بها معنى تظن وأردت بها الحكاية كسرت؛ كما أنك تقول: زيد منطلق، تريد اللفظ، ولا تريد الظن.

هذا باب

من أبواب إن المكسورة تقول: قد قاله القوم حتى إن زيداً يقوله، وقد شربوا حتى إن أحدهم يجر بطنه، لأنه موضع ابتداء. ألا ترى أنك تقول: قد قاله القوم حتى زيدٌ يقوله: و لو قلت في هذا الموضع: أن كان محالاً؛ لأن أن مصدر ينبئ عن قصة، فلو كان: قد قاله القوم حتى قول زيد كان محالاً.

و لكن لو قلت: بلغني حديثك حتى أنك تظلم الناس كان من مواضع أن المفتوحة؛ لأن المعنى: بلغني أمرك حتى ظلمك الناس وإنما يصلح هذا ويفسد بالمعنى.

و تقول: ظننت زيداً إنه منطلق لا تكون إلا المكسورة؛ لأن المعنى: ظننت زيداً هو منطلق؛ كما تقول: ظننت زيداً أبوه منطلق. ولو قلت: ظننت زيداً أنه منطلق، ففتحت لكان المعنى: ظننت زيداً الانطلاق، وهذا محال.

و لكن لو قلت: ظننت أمرك أنك تظلم الناس كان جيداً، لأن المعنى: ظننت أمرك ظلمك الناس.

وكذلك ظننت زيداً عاقلاً فإذا إنه أحمق، إنما تريد: فإذا هو أحمق، كما قال:

و كنت أرى زيدا كما قيل سيدا … إذا أنه عبد القفا واللهازم

و تقول: عهدي به شاباً وإنه يومئذ يفخر، أي: وهذه حاله. ولو قلت: أنه جاز على بعد. كأنك قلت: عهدي به شاباً وبفخره. وكذلك لو قلت: رأيت زيداً عاقلاً فإذا إنه أحمق، وكنت أراه حراً فإذا إنه عبد، ولو قلت: أنه جاز. كأنك قلت: ظننته حراً فإذا العبودية أمره.

فأما قوله: " لا جرم أن لهم النار " . ف أن مرتفعة بجرم، ومعناها: والله أعلم - حق أن لهم النار؛ كما قال عز وجل: " و لا يجرمنكم شنآن قوم " أي: لا يحقنكم.

قال الشاعر:

و لقد طعنت أبا عيينة طعنةً … جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

و تقول: ألا إنه منطلق. ف ألا تنبيه، وإنه مبتدأه. وتقول: أما إنه منطلق على ذلك المذهب.

و لو قلت: أما أنه منطلق، جاز على معنى: حقاً أنه منطلق. إذا أردت بها من التحقيق والتوكيد ما أردت بقولك: حقاً؛ لأنهم يضعونها في موضعها، فهذا قياس مطرد فيما ذكرت لك.

هذا باب

الظروف وأما إذا اتصلت بشيءٍ منهن أن

نقول: يوم الجمعة أنك خارج، واليوم أنك راحل، ولك علي أنك لا تؤذي؛ لأنه أراد: يوم الجمعة خروجك، وفي يوم الجمعة رحلتك، ولك علي ترك الأذى؛ ألا ترى أنك لو وضعت ذاك في هذا الموضع لصلح فكنت تقول: في يوم الجمعة ذاك، ولك علي ذاك.

فإن قال قائل: هل يجوز: اليوم إنك منطلق، ولك علي إنك لا تؤذي؟

١٢٩ / ٢٨٤