المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

القسم

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

و لو قلت: هذا زيدٌ ابن أبي عمرو، وأبو عمرو غير كنية، ولكنك أردت أن أباه أبو آخر يقال له عمرو لم يكن في زيد إلا التنوين، إلا في قول من قرأ " قل هو الله أحد الله الصمد " وقد مضى تفسيره. ومن قال بالبدل قال: يا زيد ابن عبد الله؛ لأنه دعا زيداً، ثم أبدل منه. فهذا كقوله: يا زيد أخا عبد الله. فعلى هذا يجري هذا الباب.

فأما القراءة فعلى ضربين: قرأ قوم وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله؛ لأنه ابتداء وخبر، فلا يكون في عزير إلا التنوين.

و من قرأ عزير ابن الله فإنما أراد خبر ابتداء كأنهم قالوا: هو عزير بن الله، ونحو هذا مما يضمر. ويكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين وهو يريد الابتداء والخبر. فيصير كقولك: زيد الذي في الدار. فهذا وجه ضعيف جداً؛ لأن حق التنوين أن يحرك لالتقاء الساكنين إلا أن يضطر شاعر على ما ذكرت لك فيكون كقوله:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه … و رجال مكة مسنتون عجاف

هذا باب

ما يلحق الاسم والفعل وغيرهما

مما يكون آخر الكلام في الاستفهام

إذا أردت علامة الإنكار لأن يكون الأمر على ما ذكر أو على خلاف ما ذكر.

و هي واو تلحق المرفوع والمضموم، وياء تلحق المخفوض والمكسور، وألفٌ تلحق المفتوح والمنصوب، وتلحقها بعد كل حرف من هذه الحروف؛ لأن حروف اللين خفية. فإنما تلحق الهاء لتوضح الحرف، كما تلحق في الندبة ونحوها.

وجد هذا الباب هكذا وهو ترجمة باب لم نذكر شرحه والباب معروف في كتاب سيبويه وكذا وقع هذا.

هذا باب

القسم

اعلم أن للقسم أدواتٍ توصل الحلف إلى المقسم به؛ لأن الحلف مضمر مطرحٌ لعلم السامع به؛ كما كان قولك: يا عبد الله محذوفاً منه الفعل لما ذكرت لك.

و كذلك كل مستغنىً عنه فإن شئت أظهرت الفعل؛ كما أنك تقول: يا زيد عمراً، أي: عليك عمراً: وتقول: الطريق يا فتى، أي ظل الطريق، وترى الرامي قد رمى، فنسمع صوتاً فتقول: القرطاس والله، أي: أصبت.

و إن شئت قلت: خل الطريق، ويا زيد عليك عمراً، وأصبت القرطاس يا فتى.

و كذلك قوله عز وجل: " بل ملة إبراهيم " إنما هو: اتبعوا؛ وذلك لأنه جواب قوله: " كونوا هوداً أو نصارى " .

فهكذا القسم في إضمار الفعل وإظهاره. وذلك قوله: أحلف بالله لأفعلن. وإن شئت قلت: بالله لأفعلن. والباء موصلة؛ كما كانت موصلة في قولك: مررت بزيد. فهي والواو تدخلان على كل مقسم به؛ لأن الواو في معنى الباء؛ وإنما جعلت مكان الباء، والباء هي الأصل؛ كما كان في مررت بزيد، وضربت بالسيف يا فتى؛ لأن الواو من مخرج الباء، ومخرجهما جميعاً من الشفة، فلذلك أبدلت منها؛ كما أبدلت من رب في قوله:

و بلدٍ ليس به أنيس

لأنها لما أبدلت من الباء دخلت على رب لما أشرحه لك في بابها؛ كما تدخل الإضافة بعضها على بعض. فمن ذلك قوله عز وجل: " يحفظونه من أمر الله " أي: بأمر الله. وقال: " و لأصلبنكم في جذوع النخل " أي: على. وقال: " أم لهم سلمٌ يستمعون فيه " أي: يستمعون عليه. وقال الشاعر:

هم صلبوا العبدي في جذع نخلةٍ … فلا عطست شيبان إلا بأجذعا

و قال الآخر:

إذا رضيت على بنو قشيرٍ … لعمر الله أعجبني رضاها

أي عني. وقال الآخر:

غدت من عليه تنفض الطل بعد ما … رأت حاجب الشمس استوى فترفعا

و سنفرد باباً لما يصلح فيه الإبدال وما يمتنع عنه إن شاء الله.

تقول والله لأفعلن، وتالله لأفعلن وتبدل التاء من الواو، ولا تدخل من المقسم به إلا في الله وحده. وذلك قوله " و تالله لأكيدن أصنامكم " ؛ وإنما امتنعت من الدخول في جميع ما دخلت فيه الباء، والواو؛ لأنها لم تدخل على الباء التي هي الأصل، وإنما دخلت على الواو الداخلة على الباء؛ فلذلك لم تتصرف.

فأما إبدالها من الواو فنحن نذكره مفسراً في التصريف. ألا ترى أنك تقول: هذا أتقى من هذا، والأصل أوقى، لأنه من وقيت. وكذلك تراث. إنما هو وراث، لأنه من ورثت. وتجاهٌ فعال من الوجه. وكذلك تخمة من الوخامة. وهذا أكثر من أن يحصى أو يؤتى بجميعه، ونحن نستقصي شرحه في باب التصريف إن شاء الله.

١٢٣ / ٢٨٤