وفيها معنى القسم
الجزء ١ · صفحة ١٢٤و اعلم أنك إذا حذفت حروف الإضافة من المقسم به نصبته؛ لأن الفعل يصل فيعمل، فتقول: الله لأفعلن؛ لأنك أردت أحلف الله لأفعلن. وكذلك كل خافض في موضع نصب إذا حذفته وصل الفعل، فعمل فيما بعده؛ كما قال الله عز وجل: " و اختار موسى قومه سبعين رجلاً " أي من قومه. وقل الشاعر:
أستغفر الله ذنباً لست محصيه … رب العباد إليه الوجه والعمل
أي من ذنب. وقال الشاعر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
فتقول: الله لأفعلن. وكذلك كل مقسم به.
و اعلم أن للقسم تعويضاتٍ من أدواته تحل محلها، فيكون فيها ما يكون في أدوات القسم وتعتبر ذلك بأنك لا تجمع بينها وبين ما هي عوضٌ منه. فإن جاز الجمع بين شيئين فليس أحدهما عوضاً عن الآخر؛ ألا ترى أنك تقول: عليك زيداً، وإنما المعنى: خذ زيداً، وما أشبهه من الفعل. فإن قلت: عليك لم تجمع بينها وبين فعل آخر لأنها بدل من ذلك الفعل.
فمن هذه الحروف الهاء التي تكون للتنبيه. تقول: لاها الله ذا، وإن شئت قلت: لاهلله ذا. فتكون في موضع الواو إذا قلت: لا والله.
فأما قولك: ذا فهو الشيء الذي تقسم به، فالتقدير: لا والله هذا ما أقسم به. فحذفت الخبر لعلم السامع به.
فأما مدتها وإجراء المدغم بعدها في قولك: لا هالله ذا فإنك أتيت ب ها التي للتنبيه، وثبتت الألف؛ لأن حروف المد يقع وبعدها الساكن المدغم. وتكون المدة عوضاً من الحركة؛ لأنك ترفع لسانك عن المدغم رفعةً واحدة. وقد مضى تفسير هذا. فيكون كقولك: دابة، وشابة، وراد وما أشبهه.
و أما قولك: لاهلله ذا فإنك حذفت الألف من هاء التنبيه لما وصلتها، وجعلتها عوضاً من الواو؛ كما فعلت ذلك بها في هلم. وها هذه.
هي التي تلحق في قولك: هذا. قلنا المعنى: لا والله هذا ما أقسم به لأنها للتنبيه، فالتنبيه يقع قبل كل ما نبهت عليه، كما قال الشاعر:
تعلمن ها لعمر الله ذا قسماً … فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
أراد: تعلمن لعمر الله هذا قسماً، فقدم ها. وقال الآخر:
و نحن اقتسمنا المال نصفين بيننا … فقلت لهم هذا لها ها وذا ليا
يريد: وهذا ليا.
و من هذه الحروف ألف الاستفهام إذا وقعت على الله وحدها؛ لأنه الاسم الواقع على الذات. وسائر أسماء الله عز وجل إنما تجري في العربية مجرى النعوت. وذلك قولك: آلله لتفعلن.
و كذلك ألف أيم إذا ألحقتها ألف الاستفهام لم تحذف، وثبتت؛ كما تثبت مع الألف واللام اللتين للتعريف في قولك: آلرجل قال ذاك؟ و كذلك ألف الوصل إذا لحقتها الفاء جعلت عوضاً، فثبتت، ولم تحذف؛ كما ثبتت مع ألف الاستفهام. وذلك قولك: أفألله لتفعلن.
و من حروف القسم إلا أنها تقع على معنى التعجب اللام. وذلك قولك: لله ما رأيت كاليوم قط، كما قال:
لله يبقى على الأيام ذو حيدٍ … بمشمخرٍ به الظيان والآس
و قد تقع التاء في معنى التعجب، ولم نذكرها هاهنا لأن ذكرها قد تقدم. فهذا جملة لهذه الحروف.
و سنبين لم دخل بعضها على بعض؟؛ كما شرحنا دخول الواو على التاء إن شاء الله.
هذا باب
الأسماء التي يعمل بعضها في بعض
وفيها معنى القسم
اعلم أن هذه الأسماء التي نذكرها لك، إنما دخلها معنى القسم لمعانٍ تشتمل عليها؛ كما أنك تقول: علم الله لأفعلن. ف علم فعل ماضٍ، والله عز وجل فاعله، فإعرابه كإعراب رزق الله إلا أنك إذا قلت: علم الله فقد استشهدت. فلذلك صار فيه معنى القسم، ألا ترى أنك تقول: غفر الله لزيد، فلفظه لفظ ما قد وقع، ومعناه: أسأل الله أن يغفر له. فلما علم السامع أنك غير مخبر عن الله بأنه فعل جاز أن يقع على ما ذكرناه، ولم يفهم عن قائله إلا على ذلك. فإن أخبر عن خبر صادق كان مجازه مجاز سائر الأخبار فقال: " لقد رضي الله عن المؤمنين " ، وغفر الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فهذا مجازه. وكذلك: شهد الله لأفعلن؛ لأنه بمنزلة: علم الله.