الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٧٤سَلَّمْنَا أن الْمَنْع لتعظيم الْقُرْآن، فنفس التعظيم الذي يثبت لأجل الْمَنْع غَيْر متعيّن بِمَعْنَى أَنَّهُ لا ندري الْحَالة التي تقدح في التعظيم، والْحَالة التي لا تقدح إِلاَّ بتوقيف من الشارع، وهذا كما ترى مانع لقياس الْمُحْدِث عَلَى الْجُنب، فهو /134/ ناقض لقياس الْمَانعين أيضا، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا مَن أجاز الآية والآيتين: فلَعَلَّه نَظر إلى قول من لَمْ يُجز في الصَّلاَة بقراءة أَقَلّ مِن ثلاث آيات، وذَلِكَ أَنَّهُ رأى أن ما دون الثلاث الآيات لا تُجزئُ بِها الصَّلاَة، فلا تُعْطَى في منع الْقِرَاءَة حكم الْقُرْآن.
والصواب: أَنَّهُ لا يَجُوز في الآية والآيتين إِلاَّ ما يَجُوز في سائر الْقُرْآن إِلاَّ لأجل الضرورة، وأن عدم الاجتزاء بِهما في الصَّلاَة لا يسلبهما شيئا من أَحْكَام الْقُرْآن، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا مَن أجاز السبع الآيات فلا أدري ما علَّته عَلَى ذَلِكَ. ولَعَلَّه: نظر إلى أن الْحاجة إلى التلاوة ترتفع بِسبع آيات فما دونَها، فَأجاز ذَلِكَ لعموم البلوى بالحاجة إلى الْقُرْآن.
وَأَمَّا مَن أجاز ذَلِكَ ما لَمْ يبدأ بالسورة ويختمها فحجَّته: أن كُلّ شَيْء لَمْ يبتدأ بِه وَلَمْ يُختم فكأنَّه لَمْ يَتِمّ وَلَمْ يثبت معناه، وشاهده قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾، وذَلِكَ أن الله تَعَالَى أمر نبيَّه - عَلَيهِ الصَّلاَة والسَّلاَم - أن يتحدَّى الْمُشْرِكين بسورة من الْقُرْآن. وهَذا يَدُلُّ عَلَى أن السورة هي أَقَلّ ما يَجب أن يعطى أَحْكَام الْقُرْآن ولذا اتَّفَقُوا عَلَى تَمَام الصَّلاَة بقراءة سورة تامة.
والْجَوَاب: أن التحدِّي بالسورة واتِّفَاقهم عَلَى تَمَام الصَّلاَة بقراءة السورة فيها، لا يَدُلُّ عَلَى أن أَحْكَام الْقُرْآن لا تُعْطَى للآية والآيتين، بل غاية ما فيه أن السورة الواحدة معجزة والصَّلاَة بِها مُجزية.