الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٧٨قال أبو سعيد: يشبه الاتِّفَاق من معاني قول أصحابنا أَنَّهُ لا يَدخل الْجُنب الْمَسجِد إِلاَّ لضرورة، /138/ فإن اضطرَّ إلى ذَلِكَ مسافرا كان أو مقيما فليتَيَمَّم وليدخل الْمَسجِد في معانِي قولِهم، وإن لَمْ يُمكنه التَّيَمُّم جاز له الدخول لثبوت الضرورة.
احْتَجَّ الْمَانِعُون مِن ذَلِكَ بوجوه:
أَحدُها: قَوله تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فَإنَّهُ وإن كَانَتْ الآية في تطهير البيت الْحرام، فحكم سائر البيوت في التطهير كَحكمه لقوله تَعَالَى: ﴿فيِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه﴾ فَهذِه الآية دَلِيل عَلَى تساوي حكم بيوت الله في الرفعِ عمَّا لا يليق بِها، وإن كان بعض البيوت أَفضل مِن بعض فزيادة الفضل لبعضها لا تسلب البعض الآخر الْحكم الثابت له.
الوجه الثاني: قوله تَعَالَى: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، وهذا عَلَى تفسير الصَّلاَة بالْمَسجِد وهو الْمَرْوِي عن ابن عباس وابن مسعود والْحَسَن وإليه ذهبَ الشافعي. وقِيلَ: الْمُرَاد نفس الصَّلاَة ونسب إلى الأَكْثَر.
وَيَدُلُّ عَلَى الأَوَّل وجوه:
أحدها: أَنَّهُ قال: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ…﴾ وَالقُرب والبعد لا يصحَّان عَلَى نَفس الصَّلاَة عَلَى سبيل الْحَقيقة، وَإِنَّمَا يصحَّان عَلَى الْمَسجِد.
الثاني: إذا حُمل "السبيل" عَلَى الْجُنب الْمُسَافِر يَحتاج الكلام إلى إضمار في الآية؛ لأَنَّه إذا كان واجدا للماءِ لَمْ يَجز لَه القرب من الصَّلاَة أصلا، وإن لَمْ يكن واجدا للماء لَمْ يَجز له الصَّلاَة إِلاَّ مع التَّيَمُّم، فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية، وَأَمَّا عَلَى تفسير الصَّلاَة بالْمَسجِد فَلا يَفتقر الكلام إلى إضمار.