الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٠الوجه الثالث: مِن الاِحْتِجَاج قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، وقوله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾ وذَلِكَ عَلَى تفسير عمارتِها بدخولِها والقعود فيها، وإذا ثبت هذا الْحُكْم في الْمُشْرِك ثَبت أيضا في الْجُنب والْحَائِض والنفساء؛ لأَنَّ الغرض من ذَلِكَ صون الْمَسَاجِد /140/ وتنزيهها عَن الأقذار. وهذه العِلَّةُ مَوجودة في هؤلاء كُلّهم، وَاللهُ أَعلَم.
الوَجه الرَّابِع: مَا روي عن عائشة - رضي الله عنها - أَنَّهَا قالت: "لَمَّا رَأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وُجوه بيوتِ أَصحابه شَارعة في الْمَسجِد قال: «وَجِّهُوا هَذِه البُيُوتَ عَن الْمَسجِد» ثُمَّ دَخلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَصنَع شَيئًا رَجَاءَ أن ينزل لَهم رُخصة، فخرج إليهم بعد ذَلِكَ فقالَ: «وَجِّهُوا هَذِه البيوتَ عَن الْمَسجِدِ فَإنِّي لاَ أُحِلُّ الْمَسجِد لِحائِضٍ ولاَ جُنبٍ». وقد تَقَدَّم حديث أمِّ عطية قالت: «أُمِرنَا أَن نَخرُجَ إِلَى العيدَين وَالعواتِق مِن الْخدور، وأَمَر الْحَائِض أن تَعتَزلَ عَن مُصلَّى الْمُسْلِمِينَ»، وَاللهُ أَعلَم.
احْتَجَّ مَن أباح ذَلِكَ للجنب بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - : «الْمُؤمِنُ لاَ يَنجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا».
قُلْتُ: ويلزمهم عَلَى هذا الاِستِدلاَل إباحة الدخول للحائض والنفساء؛ لأَنَّهن مُؤمنات، ولاَ نعلم أن أحدا قال به، أَمَّا الْحَدِيث فلا يَدُلُّ عَلَى إباحة دخول الْمَسجِد؛ لأَنَّ الْمَنْع من دخول الْمَسجِد عبادة كالْمَنْع من الصَّلاَة، فَإنَّهُ وإن كَانَتْ العِلَّة تعظيم الْمَسَاجِد عن القاذورات فنفس ذَلِكَ التعظيم عبادة.