الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٩وَلَعَلَّ وجهَ الرخصة مِن حيث إن الأعمالَ الْخفيفة لا تُشغل الْمُصَلِّي، ولا تُلوِّث الْمَسجِد.
- فإن كان العامل لَها منتظرا للصلاة وأَنْوَاع الطاعات كان جلوسه لِما ينتظر من ذَلِكَ، لا لأجل تلك الصنعة، وإلى هذا الْمَعْنَى يشير كلام عليّ لعثمان حينَ قال له في الْخيَّاط: "إِنَّه يَقمٌّ الْمَسجِد أحيانا ويرشه ويغلق أبوابه"، وَاللهُ أَعلَم.
الْفَرع التاسعُ: في الْوُضُوء في الْمَسجِد:
قال ابن الْمُنذِر في إشرافه: أباح كُلّ مَن نَحفظ عنه من علماء الناس الْوُضُوء في الْمَسجِد. قال: ومِمَّن حَفظنا عنهم ذَلِكَ ابن عباس وابن عمر وعطاء وطاووس وأبو بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم وابن جريج وعبد الرحمن السلماني، وهو قول عوام أهل العلم.
قال: وبه نقول، إِلاَّ أن يَتَوَضَّأ الرجل في مكان من الْمَسجِد مِثله يؤذِي الناس بِهَذَا الطهر، فإنِّي أكره ذَلِكَ، إِلاَّ أن يفحص الْحصا عَلَى البطحاء، كما كان يفعل عطاء بن أبي رباح وطاووس، فإذا توضَّأ ردَّ الْحصا عَلَى البطحاءِ فلا أكره ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا أباحوا الْوُضُوء في الْمَسجِد؛ لأَنَّه طاعة. فإذا لَمْ يَحصل من الْمَاء ضرر عَلَى الْمَسجِد أو أَحد من عمَّاره فلا معنى للمنع منه. وإن حَصل به الضررُ أو الأذى فيمنع من ذَلِكَ. والضرر /149/ متحتِّم في الْمَسَاجِد التي سُطِّحَت بالصاروجِ والْجصِّ، وفُرِشَت عَلَيهَا البُسط.
ولاَ ضرر في الْمَسَاجِد الْمحصوبة إِلاَّ إذا كثر ذَلِكَ وخيف منه سَريان الثرى، وَاللهُ أَعلَم.
وبالْجُملَة: فالأُمُور أربعة: طاعة، ومَعصِيَة، ومكروه، ومباح.
فَأَمَّا الطاعة: فهي الْمَأْمُور بِفعلها في الْمَسَاجِد كَانَتْ فَرضا أو نَفلا، إِلاَّ إذا كَانَتْ الطاعة يَحصل منها للمسجد تلوُّث أَو انتهاك حُرمة، كالقتال وإقامة الْحُدُود، فَإِنَّهَا لا تُفعل في الْمَسجِد احتراما لبيت الله تَعَالَى وتنزيها له عن الدماء.