الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٤وَأَمَّا الشافعي: فَقد احْتَجَّ لَه بعض أصحابه بِأَنَّهُ إِنَّمَا أخذَ ذَلِكَ من صَريح قوله تَعَالَى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: ولَعَلَّه أَخذه /153/ مِن السُّنَّة؛ فإنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كتبَ إلَى عَمرو بن حزم: «لاَ يَمسُّ الْقُرْآنَ مَن هُو عَلَى غَيْر طُهرٍ». أو أخذه مِن الآية عَلَى طَريق الاستنباطِ. وقالَ: إنَّ الْمَسّ بطهرٍ صفة من الصفات الدَّالَّة عَلَى التعظيمِ، والْمَسُّ بِغَيْر طهور نوع إهانة في الْمَعْنَى وذَلِكَ؛ لأَنَّ الأضداد ينبغي أن تقابل بالأضداد. فالْمَسُّ بالطهر في مُقابلة الْمَسّ عَلَى غَيْر طهر، وترك الْمَسّ خروج عن كُلّ واحدة منهما. فكَذَلِكَ الإكرامُ في مُقابلة الإهانة، وهنالك شَيْء لاَ إكرام ولا إهانة فنقول: إنَّ من لا يَمسّ الْمصحَف لا يَكون مُكرما ولا مُهينا، وبترك الْمَسِّ خروج عَن الضدَّين، ففي الْمَسِّ عَلَى الطهر التعظيم، وفي الْمَسّ عَلَى الْحدَث الإهانة فلا تَجوز. قال: وهو مَعنى دَقيق يَليق بالشافعِي ومَن يَقرب منه بالدرجة.
والْجَوَاب: لا نُسلِّم أن الْمُرَاد بالطهر في هذا الْمَعْنَى الطهر من الأحداث، بل نقول: إنَّ الْمُرَاد به الطهر مِن الْحَيْض والْجَنَابَة وأشباههما فغير الْمطهر هو: الْمُشْرِك والْحَائِض والنفساء والْجُنب، فلا يَتِمُّ الاِستِدلاَل الذي زعمه الْمُخَالِف، وَاللهُ أَعلَم.
الْفَرع الثَّانِي: في مسِّ الدراهم التي فيها ذِكر الله:
- كَرِه بَعضهم مسّ الدراهم التي فيها ذكر الله عَلَى غَيْر وضوء، ونسب هذا القول إلى عطاء والقاسم بن مُحَمَّد والشعبي.
- وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يَحمل الْجُنب الصرَّة التي فيها الدراهم فيها السورة من الْقُرْآن ولاَ يأخذ في ذَلِكَ غَيْر الصرَّة.