الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٣والْحُجَّة لنا عَلَى ذَلِكَ: قَوله تَعَالَى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾. ورُوي عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَتَب إِلَى عَمرُو بن حزم: «لاَ يَمُسّ الْمصحَفَ مَن هُوَ عَلَى غَيْرِ طُهرٍ».
فالآية والْحَدِيث دَالاَّن عَلَى منع الْمسِّ للقرآن إِلاَّ لِمن كان طاهرا، ولا شكَّ أن ابن آدم طاهر إِلاَّ إذا كان جنبا أو حائضا أو نفساء أو مشركا أو متلوّثا بالنجس، فما عدا هؤلاء فهو طاهر.
فالْمُحْدِث الذي لَمْ يَتَوَضَّأ وضوء الصَّلاَة طاهر، فهو عَلَى طهر حيث إِنَّه لَمْ يكن نَجسا، وَاللهُ أَعلَم.
وَلَعَلَّ الْمكرِّهين: حَملوا هذا النهي عَلَى التكريه دون التحريم إذ لا تَثبت الْحرمَة إِلاَّ بالدَّلِيل الْمصرَّح به.
والْجَوَاب: أنَّ حقيقة النهي عِندنا التحريم، فلا يعدلُ عنه إِلاَّ بدَلِيل.
وَأَمَّا من أجاز حَمله بعلاَّقته: فكأنَّه نظر إلى أنَّ النهي إِنَّمَا وقَع عن الْمسِّ لاَ عَن الْحَمْل، وهَاهُنا لَمْ يَمسّ.
وَأَمَّا مَن كره حَمله بعلاَّقته أو عَلَى الوسادة، فكأنَّه نظر إلى أن الْحِكْمَة في النهي عَن مسِّه إِنَّمَا هِي لأجلِ تَعظيمه واحترامه، وحَمله عَلَى هذا الوصف مُناف لِهَذِهِ الْحِكْمَة. وأجاز حَمله في التابوت والْخُرج والغرارة؛ لأَنَّ الْمَحْمُول في شَيْء من هَذا لا يقع اسم الْحَمْل عَلَيهِ إِلاَّ عَلَى سبيل التبعيَّة، وذَلِكَ أن الْحَمْل إِنَّمَا كَان للتابوتِ ونَحوه لا لِلمصحف نَفسه فارتفع الْمصحَف مع ارتفاع التابوت.