الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٣١٧وَأَمَّا عَلَى القول الثالث: فَوجهه أن يَجعل الْوُضُوء للاستحبَاب فيجتزون بغسل الْمَوْضِع. وصورة القياس أن النوم والأكل من الأفعال الْمباحة للرجل قَبل حدوث الْجَنَابَة؛ فَلَمَّا حدثت عَلَيهِ الْجَنَابَة أمر بغسل الفرج والْوُضُوء.
وكَذَلِكَ الوطء كان مباحا في الْمَرْأَة قبل الْحَيْض فَلَمَّا حدث الْحَيْض حرّم، فلما زال ارتفع المانع من الوطء وبقي الْمَنْع لأجل حكم الْحَيْض، فإذا غسلت الْمَوْضِع وتَوَضَّأت صَارت كالْجُنب الذي أبيح له النوم والأكل.
والْجَوَاب: أن قياسها عَلَى الْمُستَحَاضَة لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الْمُستَحَاضَة في حكم الطاهر لِصِحَّةِ الصَّلاَة والصيام منها إجماعا، والْحَائِض لا يَصِحّ منها ذَلِكَ حَتَّى تَتَطَهَّر. وقياسها عَلَى الْجُنب غَيْر صحيح؛ لأَنَّ حكم الفرع فيه مُخَالِف لِحكم الأصل وذَلِكَ أن النوم والأكل من الْجُنب غَيْر مَحجورين قبل غسل الفرج، والْوُضُوء ووطء الْحَائِض قبل غسلها مَحجور /174/ فظهر أن الاستنجاء والْوُضُوء للجنب مُسْتَحَبٌّ لا واجب، والتَّطَهُّر من الْحَيْض واجب لا مُسْتَحَبٌّ فقط، وإذا اختلف الْحُكْمان فسد القياس.
وَأَمَّا أصحابنا: فلا أعرف لَهم حُجَّة فيما قالوه من الاجتزاء للوطء بغسل الرأس والفرج إِلاَّ ما يوجد عن أبي الْحَوَارِي -رحمه الله- أَنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ: بِأَنَّ أبا موسى الأشعري سَأله سائل: قال الراوي: وأحسب أَنَّهُ رجل طلَّق زوجته ثُمَّ راودها وهي تَغسل رأسها أو فرجها، ولَعَلَّها قد وضعت الغسل في رأسها، فأفتاه بردِّها. ثُمَّ رفع ذَلِكَ إلى عمر بن الْخِطَاب -رحمه الله- فأنكر عَلَيهِ. ويبحث فيه بِأَنَّ إنكار عمر يَحتمل أن يكون لوجود الشبهة بدخولِها في الاغتسال، وكانوا يتركون سبعين بَابا من الْحلال مَخافة الوقوع في الْحَرَام.