مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٠٧وَأَمَّا الْحُجَّةِ السمعيَّة: فهي ما تَكُون مِن قِبَلِ السمعِ، وَفي حُكم السمعِ النظرُ إِلَى الكتب، والإشارَة إِلَى المعانِي بطريقٍ يُفهَم، فإنَّ الْمُرَاد مِنَ السمعِ وصُول الْعِلْم إِلَى الْعَقْلِ مِن طريق لاَ يُدركُه الْعَقْل إِلاَّ بالواسطَة، وقَد حَصلَت الواسطَة فلاَ فَرق بَيْنَ السمعِ والنظرِ وغَيرهما فِي تَأديَة ذَلِكَ، حَتَّى أَنَّ الشيخَ أبا سَعِيد - رضي الله عنه - جَعَلَ الإلْهَام فِي هَذَا الْمَقَام حجَّة كَالسمعِ، وذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أُلْهِم الْمُكَلَّف شَيْئًا مِن الأمورِ التي لاَ يُدركها الْعَقْل فَعرف أَنَّها كذَلِكَ وَلَم يَشكّ فِي أَنَّها حقّ وَجَبَ عَلَيهِ قُبول ذَلِكَ الإلْهام؛ لأَنَّ ذَلِكَ الإلْهَام هُو مِن فَيض الله - سبحانه وتعالى - ، ولاَ يَحلُّ له الرجوعُ عَن عِلمه إِلَى الجهلِ.
والْحُجَّةِ السمعيَّة: إِنَّمَا تَكُون فِي الأَشيَاء المسموعَة كَأسماء الله تَعَالىَ، ومَعْرِفَةِ العبادات وتَفاصيلها، ومَعْرِفَة أَحْكَامِ ذَلِكَ، والأَمْر والنهي إِلَى غَير ذَلِكَ من الأَحْكَام التي جاءَ بِهَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وتَنقسمُ الْحُجَّةِ السمعيَّة إِلَى قسمين؛ لأَنَّها إِمَّا أن تَكُونَ فِيما لاَ يَسع جهلُه، فتقُوم بكلِّ مُعبّر بعِبَارَة تُفهَم، وبكلِّ إشارَة يَفهمها الْمُكَلَّف إِلَى غَير ذَلِكَ مِمَّا سَيأتي بَيَانه، وَإِمَّا أن تَكُون فِيمَا يَسع جَهله فلاَ تَقوم بِجَمِيعِ ذَلِكَ بل لاَ بُدَّ فِيها مِن اعتبارِ أمورٍ سَيأتي بَيَانُها عندَ قَولِهِ: (ومَا عَدَا هَذَا إِلَى السمعِ انتَسَب)، وَالله أَعلَم.
الْمَسأَلة الثالثة: فِي شروط صِحَّة التَّكلِيف