الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٥وَأَمَّا قوله: "إن الْخرازة بِه كانت على عهد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .. الخ" فَدعوى تَحتاج إلى شاهد؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِحّ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا على عهد أصحابه، وَلَعَلَّها وُجدت في عصر التابعين أو من بعدهم، لاختلاط أهل الذمَّة بالْمُسلِمِين، وسكوت الْمُسلِمِين عن الإنكار في تلك الأمصار لا يثبت الْجواز لاحتمال أن يكون الْمستعملون لَها أهل الذمَّة، ولاحتمال أن يكونوا غَيْر قادرين على الإنكار، فإن ذَلِكَ كان في عصر الْهرج والْمَرج وجور الأئمة، فالقابض على دينه في زمانِهم كالقابض على الْجمر، وَرُبَّمَا كان الواحد من الْمُسلِمِين يقتل على إنكار الْمنكر.
سَلَّمْنَا، فَالانتفاعُ بشعر الْخِنْزِير من الْمَسَائِل الاجتهاديَّة ولا يَجب الإنكار /247/ ما دام للرأي مساغ، وَاللهُ أَعلَم.
ولعلَّ الْمكرِّهين نظروا إلى تعارض الأَدِلَّة فلم يرخِّصوا وَلَمْ يَحجروا، بل جعلوا أَدِلَّة الترخيص قرينة عَلى أن الْمُرَاد بأَدِلَّة الْمَنْع الكراهية لا غَيْر، وَاللهُ أَعلَم.
تنبيهات:
الأَوَّل: في خنزير البحر
قال الدَّميري: وهو دابَّة ينجي الغريق، وهو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر الْمالِح؛ لأَنَّه يقذف به البحر إلى النيل. قال: وصفته كصفة الزقِّ الْمنفوخ، وله رأس صغير جدا، وليس في دوابِّ البحر ما له رئة سواه، فلذَلِكَ يسمع منه النفخ والنفس، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نَجاته؛ لأَنَّه لا يزال يدفعه إلى البر حَتَّى يُنجيه، ولا يؤذي أحدا، ولا يأكل إِلاَّ السمك، وَرُبَّمَا ظهر على وجه الْمَاء كَأَنَّهُ ميِّت، وهو يَلد ويرضع، وأولاده تتبعه حيث ذهب، ولا يلد إِلاَّ في الصيف، ومن طبعه الأنس بالناس وخاصة بالصِّبيَان.