مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١١٦قَالَ: ونَذكُر عَلَى هَذَا وجهًا خامسًا، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالىَ عابَ الكفَّارَ عَلَى أَنَّهُمْ حَاولُوا فِعل شَيْءٍ عَلَى خلافِ مَا أَخبر الله عَنه فِي قَولِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلَ﴾، فثَبت أَنَّ القصدَ إِلَى تكوينِ ما أخبرَ الله تَعَالىَ عَن عدمِ تَكوينِه قَصدٌ لتَبديلِ كلامِ الله تَعَالىَ، وذَلِكَ مَنهيٌّ عَنه، ثُمَّ هَا هنا أخبرَ الله تَعَالىَ عَنهم بأَنَّهُمْ لا يُؤمنُونَ البتَّة، فمحاولة الإيمان مِنْهُمْ تَكُون قَصدًا إِلَى تَبديلِ كلامِ الله، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنه، وتَركُ مُحاوَلة الإيمانِ يَكُونُ أَيْضًا مُخالفَة لأَمْرِ الله تَعَالىَ، فيَكُونُ الذمُّ حَاصِلا عَلَى التركِ والفعلِ. قَالَ: فَهذِه هِي الوجُوه المذكورَة فِي هَذَا الْمَوضِع، قَالَ: وهَذَا هُو الْكَلاَم الهادِم لأصولِ الاعتزالِ.
وَالْجَوابُ الهادِم لِهَذَا كُلِّه أَن تَعلَم أَنَّ المستحيلَ نَوعَان:
[الأَوَّل]: مُستحيلٌ لِذاتِه: كَتَكلِيفِ الأعمَى البصَر، وكتَكلِيفِ الأصمِّ السمعَ، وتَكلِيفِ الْمُقعَدِ المشي؛ فإنَّ الأعمَى لاَ قُدرَة لَه عَلَى إيْجادِ البصرِ، وَكَذَا الأصَمُّ لا قدرةَ له عَلَى السمعِ، وَكَذَا المقعِد لاَ قُدرَة لَه عَلَى المشيِ؛ فإحداثُ الأعمَى للبصرِ مُحالٌ لذاته، وكذَلِكَ البواقِي فَإنَّهَا وإن كَانَتْ مُمكِنَة فِي قُدرَة الله تَعَالىَ، فَهِي فِي قُدرَة هَؤُلاَء مُحال لِذواتِها، وهَذَا هُو مَحَلُّ النزاعِ.