مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١١٥قالَ: ونَذكُر هَذَا عَلَى وجهٍ ثالِث، وَهُوَ أنَّ وجودَ الإيمانِ يَستحيلُ أن يُوجَد مَع الْعِلْم بِعَدَم الإيمانِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عِلما لَو كانَ مُطابقًا لِلمَعلُوم، والْعِلْم بِعَدَم الإيمانِ إِنَّمَا يَكُونُ مُطابقا لو حصلَ عدم الإيمانِ، فلَو وُجِد الإيمان مع الْعِلْم بِعَدَم الإيمانِ لَزم أن يَجتمِع فِي الإيمانِ كَونهُ مَوجودًا ومَعدومًا معًا وَهُوَ مُحال؛ فالأَمْرُ بِالإيمان مع وجوِد عِلم الله تَعَالىَ بِعَدَم الإيمانِ أَمْر بالْجَمع بَيْنَ الضدَّين، بَل أَمْر بالْجَمعِ بَيْنَ العدمِ والوجودِ، وكلُّ ذَلِكَ مُحَال.
قَالَ: ونَذكُر هَذَا عَلَى وَجهٍ رَابع، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالىَ كلَّف هَؤُلاَء الذِينَ أَخبَر عَنهم بأَنَّهُمْ لا يُؤمنُون بالإيمانِ البتَّة، والإيمانُ يُعتبَر فِيه تَصديقُ الله تَعَالىَ فِي كُلِّ مَا أخبرَ عَنه، وَمِمَّا أخبَر عَنه أَنَّهُمْ لاَ يُؤمنون قطُّ، فَقَد صارُوا مُكلَّفين بأن يُؤمنُوا بأَنَّهُمْ لاَ يُؤمنونَ قَطّ، وهَذَا تَكلِيفٌ بالْجَمع بَيْنَ النفيِ والإثباتِ.