الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٤٣٤وَأُجِيبَ عَنه: بِأَنَّه تَعَالَى قال في هذه الآية: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ ومَعناه: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا حرَّم الْخِنْزِير لكونه نَجسا؛ فهذا يقتضي أن النَّجَاسَة /282/ عِلَّة لِتَحْرِيم الأكل فَوجب أن يكون كُلّ نَجس يَحرم أَكله، فالنجاسات داخلة تَحت الْحَصْر لا خارجة عنه.
وأَيْضًا: فَإِنَّهُ تَعَالَى قَال في آية أُخرى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ وذَلِكَ يقتضي تَحْرِيم كُلّ الْخبائث، والنجاسات خبائث.
وأَيْضًا: فإنَّ الأُمَّة مُجمعة على حرمة تَناول النجاسات. سَلَّمْنَا أن الآية مُخصَّصة بدلالة النقل الْمتواتر من دين مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - في باب النجاسات، فيجب أن يبقى ما سواه على وفق الأصل تَمسُّكا بعموم كتاب الله في الآية الْمَكِّية والآية الْمدنيَّة.
وَأَمَّا الْخَمْر: فَإِنَّهَا نَجسة، فيكون من الرجس، فَيدخل تَحت قوله: ﴿رِجْسٌ﴾، وتَحت قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾.
وأَيْضًا: ثبت تَخصيصه بالنقل الْمتواتر من دين مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - في تَحْرِيمه، وبقوله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وبقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾، والعام الْمَخصُوص حُجَّة في غَيْر مَحلِّ التخصيص، فتبقى هذه الآية فيما عداها حُجَّة.
وَأَمَّا الْمَوقوذة والْمتردية والنطيحة: فهي أنواع الْميتَة وداخلة تَحتها. سَلَّمْنَا، فنقول: إن آية الْمَائِدَة مُخصِّصة لآية الأنعام، فيبقى ما عدا الْمخصّص على حكم الأَوَّل.
وَأَمَّا كَثرة وجود الْمُحَرَّمَات مِن الْمَطعُومَات فلا ينقض الاستدلال بالآية؛ لأَنَّ الْمَعْنَى: لا أجد مُحرَّما مِمَّا كان أهلُ الْجاهليَّة يُحرِّمونه من البحائر والسوائبِ وغَيرها، إِلاَّ ما ذكر في هذه الآية.